بلا حدود

رحيل العالم البسيط بلا عودة واستبداله بالعالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي

ماهر المملوك

لم يعد العالم الذي نعيش فيه اليوم امتدادًا طبيعيًا لذلك العالم البسيط الذي تشكّل عبر قرون طويلة من القيم الإنسانية، والمعايير الأخلاقية، والروابط الاجتماعية المتينة. لقد دخلت البشرية، من دون إعلان رسمي أو توافق جمعي، مرحلة مفصلية جديدة يمكن توصيفها بدقة بوصفها انتقالًا بنيويًا من العالم الواقعي المتوازن إلى عالم افتراضي هجين، تقوده الخوارزميات ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل ملامحه وقيمه.

في هذا التحول العميق، لم يكن التقدم التكنولوجي مجرد أداة مساعدة للإنسان، بل أصبح في كثير من الأحيان فاعلًا مركزيًا في إعادة صياغة الوعي، والسلوك، والذوق العام. ومع هذا التحول، بدأ التراجع التدريجي للمعاني العميقة، وتآكل المرجعيات القيمية، لصالح ثقافة السرعة، والاستهلاك، والسطحية. وهكذا، لم نعد أمام تطور أخلاقي أو ارتقاء إنساني، بل أمام تسطيح شامل للفكر والخطاب والعلاقات الإنسانية.

لقد انتقل مركز الثقل من المعرفة إلى الشهرة، ومن الحكمة إلى الانتشار، ومن العمق إلى الصورة السريعة العابرة. وفي هذا السياق، لم تعد التفاهة ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى نظامٍ قائمٍ بذاته، تدعمه أدوات التكنولوجيا الحديثة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعيد إنتاج المحتوى وفق منطق التفاعل لا القيمة، والضجيج لا المعنى.

في العالم الافتراضي الجديد، لم يعد التفوق مرهونًا بالعلم أو الاجتهاد أو الإبداع الحقيقي، بل بقدرة الفرد على لفت الانتباه، حتى ولو عبر محتوى فارغ، أو إثارة جدل مفتعل، أو حضورٍ بلا مضمون. لقد أُعيد تعريف مفاهيم النجاح والتميز والتأثير وفق مقاييس رقمية بحتة: عدد المتابعين، نسب المشاهدة، ومعدلات التفاعل، دون أي اعتبار للبعد الفكري أو الأخلاقي.

والمفارقة الكبرى أن القرن الحادي والعشرين، الذي كان يُفترض أن يمثل ذروة التقدم الإنساني بفضل ثورة المعرفة والتكنولوجيا، بات في كثير من مظاهره مسرحًا واسعًا للسطحية المفرطة. فالتكنولوجيا، التي وُعدنا بأنها ستُحرر الإنسان من القيود التقليدية وتفتح أمامه آفاق الإبداع، تحولت جزئيًا إلى أداة لتسليع الوعي، وتطبيع الرداءة، وتسريع الانحدار الذوقي والفكري. لقد تلاشت الحدود بين الحقيقة والزيف، وبين المعنى واللامعنى، في فضاء رقمي مفتوح بلا ضوابط معرفية أو أخلاقية واضحة.

الأخطر من ذلك أن أنماط الفساد القيمي لم تعد تُمارَس في الخفاء، بل أصبحت مبرمجة، ومروَّجًا لها، ومُقدَّمة بوصفها أسلوب حياة عصري. فالكذب يُعاد تسويقه تحت مسميات “الذكاء الاجتماعي”، والانتهازية تُبرَّر باعتبارها “براغماتية”، والتفاهة تُقدَّم على أنها “محتوى ترفيهي”. وهكذا تُفرَّغ المفاهيم من مضامينها، وتُشوَّه اللغة، ويُقتل المعنى ببطء ولكن بثبات.

لقد حلّ زمن الصوت العالي بدل الحجة، والصورة المعدّلة بدل القامة الفكرية، والانتشار السريع بدل النزاهة والعمق. زمن يُقاس فيه الإنسان بحضوره الرقمي لا بقيمته الفكرية، ويُهمَّش فيه المثقف، ويُشيطن صاحب الرأي المستقل، لأنه لا ينسجم مع إيقاع السوق ولا مع منطق القطيع الرقمي.

أما منصات التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن تكون فضاءات للتفاعل وتبادل المعرفة، فقد تحوّل كثير منها إلى مصانع لإنتاج التفاهة وإعادة تدويرها. فالخوارزميات لا تكافئ التفكير النقدي ولا الطرح المتزن، بل تكافئ الإثارة، والانفعال، والاختزال المخل. ومع الاستغراق في هذا النمط، يتحول الواقع ذاته إلى مادة هزلية، ويصبح الجاد موضع سخرية، والعاقل هدفًا للإقصاء.

إن استمرار هذا المسار لا يهدد الذوق العام فحسب، بل يهدد البنية العميقة للوعي الإنساني. فحين يُستبدل التفكير النقدي بردود الفعل السريعة، وتُختزل الأسئلة الوجودية الكبرى في محتوى عابر، ويُختصر الإنسان في كونه مستهلكًا دائمًا، فإننا نكون أمام تراجع حضاري لا يقل خطورة عن أي انهيار اقتصادي أو صراع عسكري.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن العالم الجميل قد اندثر كليًا، لكنه بلا شك بات محاصرًا، يعيش في الهامش، وتحمله قلة ما زالت تؤمن بأن القيم لا تموت، وأن المعنى لا يُلغى، وأن التفاهة، مهما بدت طاغية، تظل ظاهرة عابرة في مسار التاريخ. فالتجربة الإنسانية تخبرنا أن عصور الانحطاط، مهما طالت، تحمل في داخلها بذور صحوة محتملة.

إن استعادة العالم الإنساني المتوازن لا تعني رفض التكنولوجيا أو معاداة الذكاء الاصطناعي، بل تعني إعادة إخضاعهما لمنظومة قيمية وأخلاقية واضحة، تعيد الاعتبار للعقل، وللتربية النقدية، وللثقافة، وللمعنى. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة أدوات.

فإما أن نكون شهودًا صامتين على أفول العالم البسيط بكل قيمه، أو فاعلين في إعادة صياغة المستقبل، حيث لا يزال الأمل ممكنًا…

ومن يعش دهراً، يرى عجبًا.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى