باريس -فرنسا
حين كنا أطفالًا في تلك القرية النائية، كان الفضول نافذتنا الأولى إلى العالم. كنا نختبئ خلف الأبواب أو نمدّ آذاننا في الظلام، نسترق السمع لأحاديث الكبار في المضافة، حيث تتشابك الكلمات مع دخان السجائر وصوت الحطب المتقد. كانوا يتحدثون عن الزراعة والطقس، عن الغيوم التي إن أثقلت صدورها بالمطر منحتهم غلة وفيرة، وإن بخلت أمحلت الأرض وأجبرت البطون على شدّ الأحزمة. هناك تعلّمنا مبكرًا أن الحياة رهينة قوى أكبر منا، وأن الخبز ليس حقًا مضمونًا بل هبة مؤقتة.
غير أن أكثر الأحاديث إثارةً لنا، وأكثرها رعبًا، كانت تلك التي تدور حول الضباع: مكرها، توحشها، أنيابها الحادة، ورائحتها الكريهة. كنا نرتجف في أماكننا كأنها تتربص بنا فعلًا، تنتظر لحظة غفلة لتفصفص عظامنا. كان الخوف يتسلل إلى وعينا بلا استئذان، فيتحول الخيال إلى سجن. ولم يكن الخوف محصورًا في البراري؛ فقد كان عصا المعلّم في المدرسة، و”شحاطة” الوالدة في البيت، والتهديد الدائم بالشرطي، أدوات يومية لإعادة إنتاج الطاعة. “كن مؤدبًا وإلا سيأتيك الشرطي”، جملة بسيطة، لكنها كانت كافية لتزرع فينا رهبة السلطة منذ نعومة الأظفار.
هكذا تربينا على الخوف: من السلطة، من رجل الدين، من العقاب، من التمرد، ومن مجرد السؤال. أضيف إلى ذلك الخوف من المرض، من الفقر، من الشيخوخة، ومن ذلك المجهول الأكبر: الموت. بدا الخوف كأنه النسيج الخفي الذي تُخاط به الحياة. لكن خبرة السنين علمتنا أن لكل شيء عتبة. فالشدّ الزائد، كما في البالون، لا يؤدي إلى مزيد من التماسك، بل إلى الانفجار. القمع لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الانهيار.
حين يكون الإعلام تابعًا للسلطة، يتحول إلى آلة لتكثيف الخوف وتدويره، يضخم الأخطار ويصغر الكرامة. لكنه ينسى، أو يتناسى، أن للجوع حدودًا، وللظلم نقيضًا اسمه الكرامة الإنسانية. لا يمكن للإنسان أن يعيش طويلًا وهو منكسر، ولا أن يقبل إلى الأبد أن يُعامل ككائن يجب ترويضه بالخوف.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تدوير المفاهيم: أن يتحول الخوف إلى وعي، والطاعة العمياء إلى مسؤولية، والخضوع إلى مساءلة. فالمعرفة لا تكتفي بإضاءة الطريق، بل تملك القدرة على قلب الطاولات كلها. وحين يتغير الوعي، يتغير كل شيء: السلطة، والدين، والخوف نفسه. عندها فقط، نكتشف أن الضباع الحقيقية لم تكن في البراري، بل في العقول التي صادرت حق الإنسان في أن يكون حرًا.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



