روبرت فورد: فليسلّم بادين سوريا لروسيا، على الكرد الاتفاق مع دمشق، والأسد لم يتزحزح

 

في مقال لافت نشره في مجلة فورين بوليسي في 25 الجاري، قدّم آخر سفير اميركي في سوريا روبرت فورد للرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مجموعة من النصائح، ابرزها الانسحاب من سوريا وتسليم الملف بالكامل الى روسيا والتفاهم معها ومع تركيا القادرتين مع الجيش السوري على ضرب داعش، ونصح الكرد الذين يلومهم على توتير الاجواء مع العرب في مناطقهم، على التفاهم مع دمشق ، معتبرا ان اميركا عجزت ولا تستطيع الحصول على تنازلات سياسية في سوريا وأن الرئيس بشار الأسد لم يتزحزح.

هنا ترجمة لأبرز ما جاء في مقاله.

 

خلال السنوات الأربع التي قضاها في منصبه ، كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعوده باعادة بناء مجتمعات ما بعد الصراع وتحقيق الاستقرار فيها، لكن وعوده كانت مضللة ومحكوما عليه بالفشل.

بشكل عام، قام ترامب بخفض أعداد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان ، وتقليص تمويل الترويج للديمقراطية بنحو مليار دولار خلال ولايته. لكن  الولايات المتحدة حاولت استخدام القوة العسكرية والضغط المالي لإجبار الرئيس السوري بشار الأسد على قبول إصلاحات دستورية كبرى وإنشاء منطقة حكم ذاتي كردية في شمال شرق البلاد. وقد تطورت تلك المنطقة بإشراف الولايات المتحدة ، إلى شبه دولة وتتمتع بجيشها الخاص: قوات سوريا الديمقراطية ، وقد هيمنت عليها بريوقراطية  وحدات حماية الشعب الكردية وذراعها السياسي ، حزب الاتحاد الديمقراطي.

الوقوع في المأزق

على الرغم من الجاذبية السياسية لهذا المشروع، الا انه كان معيبا   ذلك ان الكرد السوريين حلفاء الولايات المتحدة ساهموا في تفاقم التوترات المناطقية  القائمة منذ فترة طويلة بين الكرد والعرب . وثمة احباط واضح عند المجتمعات العربية  من الهيمنة السياسية الكردية المدعومة اميركيا ومن السيطرة الكردية على حقول النفط المحلية. كما احتج السكان العرب على الفساد الإداري  لقوات سوريا الديمقراطية ، وعمليات مكافحة الإرهاب القاسية ، وممارسات التجنيد الإجباري.

وقد شنت القوات الكردية هجمات بسيارات مفخخة على بلدات عربية خاضعة لسيطرة الجيش التركي. في مثل هذه البيئة المليئة بالتوترات العرقية والخلافات القبلية ، يمكن لداعش العمل بسهولة في تلك  المجتمعات المحلية والحصول على مجندين من السكان الساخطين. وبالتالي فان الولايات المتحدة ستواجه دائمًا تلك المشكلة اذا استمرت استراتيجيتها في دعم هيمنة الكرد على شرق سوريا. ولهذه الاستراتيجية عيب آخر أكثر عمقا  تمثل في عدم السيطرة على تنظيم داعش في المناطق الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية. ذلك ان تلك الجماعة الإرهابية تعمل هناك كما تنشط  في منطقة تسيطر عليها بشكل هش الحكومة السورية وحلفاؤها ، بما في ذلك روسيا وإيران ، وهي منطقة تمتد  على ما يقرب من 200 ميل إلى الغرب من نهر الفرات.

فإذا كان الهدف هو منع داعش من إعادة تشكيل نفسها أو استخدام سوريا كنقطة انطلاق لشن هجمات في مكان آخر ، فإن حصر الانتشار الأمريكي في الربع الشرقي من البلاد لا يحل هذه المشكلة. كما أن معاقبة حكومة الأسد – رغم أنها مثيرة للاشمئزاز – لا تترك لقوات الحكومة السورية ( الجيش ومناصروه)   الا موارد قليلة  لمحاربة تلك الجماعة المتطرفة ، ما يعني ان فريق بايدن سيعتمد بشكل أكبر على روسيا وتركيا ،ناهيك عن ان  النهج الأمريكي الحالي يفتقر الى رؤية واضحة قابلة للتحقيق في نهاية المطاف

انطلاقا من ذلك،  فبدون غطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي ، من المرجح أن تواجه وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية حربًا على جبهتين أو ثلاث جبهات ضد كل من تركيا والحكومة السورية ، الأمر الذي من شأنه أن يُبعد مقاتليهما عن مواجهة داعش.

هذا سيرتب على الولايات المتحدة الاميركية البقاء في شرق سوريا إلى أجل غير مسمى. وإذا اختارت روسيا أو تركيا أو إيران أو الحكومة السورية زيادة الضغط العسكري على القوات الأمريكية أوعلى الدولة الكردية الوليدة ، فستضطر الولايات المتحدة إلى تخصيص المزيد من الموارد لحل المشكلة. وهذا ما حصل فعلا  عندما بدأت الوحدات العسكرية الروسية في مضايقة الدوريات الأمريكية في صيف عام 2020 ، فأرسلت القيادة المركزية الأمريكية وحدات مدرعة خفيفة جديدة كرادع.

من المرجح أن تزداد هذه الديناميكية سوءًا في السنوات المقبلة ، ويزداد الاعتماد على روسيا وتركيا  بسبب هذه العيوب في سياسة ترامب حيال سوريا.   لذلك فان  الإدارة الاميركية الجديدة  بحاجة إلى نهج مختلف يفضي الى القضاء على  داعش دون إضطرار  الجيش الأمريكي الى حرب أخرى أبدية.

وبدلاً من الحفاظ على الإستراتيجية الأمريكية الحالية ، يجب أن يعتمد فريق بايدن ، التركيز على الدبلوماسية خصوصا مع روسيا وتركيا، حتى ولو لم يكن هذا أمرا سارا،   فإن الاعتراف بمصالح هذين البلدين في سوريا قد يؤدي إلى نتائج أفضل. روسيا ليست شريكًا مثاليًا ، لكن دعمها للأسد يجعلها القوة المناسبة لتولي القتال ضد داعش. إن موسكو ملتزمة بضمان بقاء الحكومة السورية ، وعودة ظهور داعش (التي يُحتمل أن تمولها حقول النفط السورية التي تم الاستيلاء عليها من قوات سوريا الديمقراطية) سيهدد الأسد بشكل خطير.

وللاستفادة من هذا المجال الضيق من الأرضية المشتركة ( الاميركية الروسية) ، يجب على إدارة بايدن إبرام صفقة تفوّض موسكو مهام مكافحة داعش على جانبي نهر الفرات. سيتطلب هذا حتماً زيادة في الوجود العسكري الروسي في شرق سوريا ، وستحتاج الولايات المتحدة إلى التفاوض على انسحاب تدريجي لقواتها ووضع جدول زمني للانتقال من السيطرة الأمريكية إلى السيطرة الروسية. وهذا بالطبع لن يلغي الحاجة إلى منع الجماعة الإرهابية من استخدام سوريا كقاعدة لمهاجمة حلفاء الولايات المتحدة أو مصالحها.

كذلك، ينبغي على  الولايات المتحدة إقناع تركيا بتأمين حدودها الجنوبية. فانقرة ، تماما كما  موسكو، لديها حوافز واضحة للتعاون، خصوصا ان  تنظيم الدولة الإسلامية  شن هجمات إرهابية داخل اراضيها أيضًا. ومع ذلك ، سيكون من الصعب إغلاق حدود بطول 600 ميل بالكامل ، لذا سيتعين على واشنطن تزويد تركيا بالدعم التكنولوجي والاستخباراتي لمراقبة حركة الإرهابيين. سيتطلب مثل هذا الجهد تعاونًا مكثفًا . مع الاشارة الى ان  التعامل مع الأتراك كان صعبا حتى قبل المساعدة الاميركية لوحدات حماية الشعب ، التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية. لكن التعاون سيكون أسهل بمجرد أن تتوقف الولايات المتحدة عن مساعدة القوات الكردية بشكل مباشر، ذلك ان الهدف الأساسي لتركيا هو منع هذه الجماعات من إنشاء كيان مستقل في سوريا.

الاستراتيجية الأنسب

يجب على بايدن تجنب مفاجأة شركاء الولايات المتحدة الأكراد بهذه الاستراتيجية الجديدة، وإبلاغهم في وقت مبكر بشأن الخطوات الأمريكية الوشيكة. كانت قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب شريكين جيدين في القتال ضد داعش ، وسيكون من الحكمة أن يواصل الروس العمل معهم بموجب ترتيب جديد. موسكو لديها خبرة في هذا المجال: أنشأ الروس ، وجُهِّزوا ، ويشرفون حاليًا على “الفيلق الخامس” من المقاتلين الموالين لدمشق الذين يقومون بمهام في جميع أنحاء البلاد. بالاشتراك مع الحكومة السورية ، يمكن لموسكو إنشاء “الفيلق السادس” الجديد المكون من أعضاء قوات سوريا الديمقراطية تحت القيادة الروسية.

سيتعين على حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب التفاوض مع دمشق حول الوضع السياسي للأراضي التي يسيطرون عليها. يمكن لعلاقة حزب الاتحاد الديمقراطي الطويلة الأمد مع الحكومة السورية أن تسهل هذه العملية. نذكر انه في عام 2012 ، أبرم التنظيم اتفاقًا مع الأسد للسيطرة على المدن الشمالية الشرقية مع انسحاب الجيش السوري ، ولم تتعرض مجتمعاته مطلقًا لحملات قصف حكومية مثل تلك التي استهدفت حمص وحلب وضواحي دمشق.

في الوقت الراهن، ينبغي على  وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي البناء على هذا الإرث لتأمين حقوق المواطنة والملكية المتساوية لمجتمعاتهم، وهي امور لطالما حُرم الكرد طويلا منها. ومع أن  مثل هذا الترتيب لن يشكل حكماً ذاتياً كاملاً في سوريا الفيدرالية ، إلا أنه سيكون بمثابة تحسن كبير مقارنة بالوضع الذي كان قائما قبل الحرب.

ستكون  هناك بلا شك صيحات احتجاج من السياسيين والمحللين الأمريكيين الذين يصرون على أن واشنطن مدينة لوحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بأكثر من ذلك بكثير. لكن على الرغم من المساعدة الكردية القيّمة في الحرب ضد داعش ، فإن الولايات المتحدة لا تدين لهذه الجماعات بمظلة عسكرية غير محددة على حساب دافعي الضرائب الأميركيين. المصلحة الوطنية للولايات المتحدة هي احتواء التهديدات الإرهابية ، وليس ضمان شكل الحكم في شرق سورية

الاعتراف بحدود الدور الاميركي

في نهاية المطاف ، تحتاج إدارة بايدن إلى أن تكون واقعية بشأن قدرة الولايات المتحدة على انتزاع التنازلات السياسية في سوريا. لطالما سعى المسؤولون الأمريكيون ، بمن فيهم أنا ، إلى إصلاحات من حكومة الأسد ، لكن دون نجاح يذكر.ومن جانبها ، حاولت إدارة ترامب استخدام العقوبات المالية والسيطرة على حقول النفط السورية لإجبار دمشق على تغيير سلوكها. غير ان الأسد بالكاد يتزحزح. تتفوق دمشق في توتير المفاوضات ، واما محادثات الأمم المتحدة في جنيف والتي علقت واشنطن آمالها عليها فهي متوقفة. بالنسبة للأسد وزمرته ، فإن الصراع هو لعبة شد حبال محصلتها صفر حيث تؤدي مطالب الإصلاح أو الحكم الذاتي حتمًا إلى عدم الاستقرار أو الى تحدٍ لسيطرتهم أو دعوات غير مرحب بها للمساءلة. وهكذا ، يحارب النظام على افتراض مؤلم بأن الإصلاح سيقصر من عمره. سيطرة الولايات المتحدة أو قوات سوريا الديمقراطية على حقول النفط الصغيرة في شمال شرق البلاد لن تغير هذا الحساب. لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تكون واقعية بشأن قدرتها على انتزاع التنازلات السياسية في سوريا

يزعم محللون آخرون أن الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يمنح إيران وروسيا السيطرة على سوريا. تتجاهل هذه الحجة الروابط السياسية والعسكرية بين البلدين منذ عقود طويلة مع دمشق ، وهي العلاقات التي من غير المرجح أن تضعفها الضغوط الأمريكية. حافظت روسيا وسوريا على علاقة وثيقة منذ الحرب الباردة ، وعمل المستشارون الروس في البلاد قبل وقت طويل من بدء الصراع الحالي في عام 2011. كما أن وجود إيران هو الآخر طويل الأمد: عفندما كنت سفيراً للولايات المتحدة في سوريا قبل عشر سنوات ، تقاسم دبلوماسيون مبنى سكني مع أعضاء الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. كانت هناك منشآت عسكرية تابعة للحرس الثوري في سوريا منذ ما يقرب من 20 عامًا. لن تغير الدوريات الأمريكية الصغيرة والاستعراضي في شرق سوريا أيًا من هذه العلاقات الثنائية ، ولن تكون قادرة على منع  وصول شحنات الصواريخ الإيرانية إلى البلاد ،وهو أمر تقوم بردعه القوات الجوية الإسرائيلية  بشكل فعال.

يمكن لبايدن بالطبع الحفاظ على استراتيجية إدارة ترامب. لكن القيام بذلك سيعني إهدار مليارات الدولارات مع تفاقم التوترات الطائفية والفشل في احتواء داعش. للولايات المتحدة أهداف محدودة في سوريا يجب أن تكلف واشنطن أقل بكثير. مهما كانت الأموال النقدية التي تريد إنفاقها يجب أن تذهب إلى مشكلة اللاجئين الهائلة. من الأفضل السماح لروسيا وتركيا بتأمين مصالحهما الوطنية من خلال تحمل عبء مكافحة داعش. في نهاية المطاف ، تشكل هذه الصفقات جوهر الدبلوماسية ،والعمل على حل مشاكل محددة ، حتى مع شركاء بغيضين ، لتحقيق أهداف محدودة ولكنها مشتركة.

خمس نجوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى