
لايمكنك كقارئ أن تنسى شخصية سائق القطار في رواية (القطار الأزرق) التشاركية، التي أنجزناها في ذروة القمع وكثافة ضباب الخوف في سورية عام 2021، فكيف يمكن لنا نحن الكتاب الباقون على قيد الحياة أن ننسى المثقف الأمين والكاتب المقل جمال الزعبي الذي قبل بهذه الشخصية، وخاض لعبة (التشاركية) في كتابة الرواية وفي تمثل شخصية السائق، وهو لم يكن قد نشر أي منجز أدبي!
لم أتوقع أن يرحل جمال الزعبي عن هذا العالم بهذه السرعة، تماما كما خاب ظني عندما رحل الكاتب سهيل الذيب الشريك السابع في تلك اللعبة الروائية التي سجلت أول منجز ثقافي لافت وجريء خلال الحرب على السوريين .
كلاهما كانا يحبان الحياة، (جمال وسهيل)، وأنا زاهد بها، فكيف يرحلان وأبقى أنا وقد تجاوزت السبعين من عمري، وأكل السجن من روحي قرابة عشر سنوات أعاني من رطوبة السجن وقهره في سجني تدمر وصيدنايا؟!
أحاول اليوم أن أستغل الفرصة لأكتب شيئاً ما عن التجربة، ولكني أتردد، فليس من حقي أن أكتب عنها قبل استشارة أصدقائي الكتاب الآخرين : محمد الحفري ومحمد الطاهر وفاتن ديركي ومقبل الميلع .
كان الكاتب الكبير شوقي بغدادي رحمه الله قد اعتذر عن الفكرة، لأن الزمن لم يعد يساعده على هذا النوع من النشاط، وجاء اعتذاره مع كاتب آخر لن أذكر اسمه اليوم لأني لم أستأذنه، وكنا في حيرة من أمرنا، إلى أن اقترح سهيل الذيب اسم جمال الزعبي..
هكذا ببساطة، جرت العملية، دخل جمال في لعبة الكتابة، كمثقف يكتب من دون أن يمتهن النشر، وقبلنا اقتراحه لغرابة الفكرة، فإذا به يستجيب بحماسة غريبة، ويكتب ويقترح ويشطب ويكافح لتثبيت أفكاره، إلى الدرجة التي رفض فيها أي تعديل على صياغته سيناريو الإعلان الترويجي للرواية ، فسقطت صياغتي ونجحت صياغته الرائعة!
كان أمام التجربة احتمال كبير للسقوط، فالقمع والاستبداد سيحدّان من جموح المعنى الذي نريده، في نص يلد على الهواء مباشرة عن الحرب والحلم في التغيير، ولم يكن أمامنا إلا أن ننجح، فالفشل ممنوع كما اتفقنا، حتى لو واجه (النص التشاركي العتيد) مصاعب في النشر أو مع الرقابة..
وخرج النص كما نريده تماماً، ونجحنا في تسجيل المنجز الأدبي الذي يليق باسمنا، والذي حقق سبقاً في الكتابة التشاركية.
حاول كُتاب التقارير الإساءة إلى الرواية والحد من انتشارها، واضطرت الأجهزة الأمنية إلى استدعاء الدكتور محمد الحوراني رئيس اتحاد الكتاب، ثم لجأت إلى تكليف قراء مقربين منها، بل إن وزيرة الثقافة في ذلك الوقت، رفضت إقامة حفل التوقيع في المكتبة الوطنية، وجرى حديث هاتفي بيني وبينها، أمام شاهد حي هو الأستاذ إياد مرشد مدير المكتبة وقتها، تمكنتُ فيه من إقناعها بأن مانفعله هو نوع من الحيوية في جو ثقافي راكد، وأن الحركة الثقافية في سورية ينبغي أن لاتسجل هذا النوع من الرفض، فاستجابت لكنها منعت تحويله إلى مهرجان خطابي وقبلت بإقامة حفل هادئ.
ومع ذلك غصّ مدرج المكتبة الوطنية بالحضور، وتزينت القاعة بوجه المئات، وأقيم حفل توقيع نادر لن ننساه..
كنا نمزح مع الكاتب الراحل جمال الزعبي، بأن الأجهزة الأمنية ستعتقل سائق القطار، وكان يضحك، ولا يحتج .
وبعد سنوات دوّى صفير قطار التغيير في سورية وسقط النظام، وياللغرابة، مر القطار سريعاً من أمامنا، ولم يكن الكتاب السبعة فيه، كانوا في المحطة ينتظرونه، فلم يأخذهم في رحلة الحلم، تماما كما تنبأت الرواية. وربما كان سيكون الحلم أجمل لو ركب السوريون جميعهم في قطار كان لونه الأزرق سببا في إثارة لغط البعض والتشكيك ببراءة النص!
(يتبع)
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



