كتب

سعيد خطيبي: تاريخ الجزائر من جسد امرأة مقهورة

سلوى دبوق

يكشف سعيد خطيبي في «أُغالب مجرى النهر» تاريخ الجزائر من زاوية غير مألوفة: جسد امرأة يُصبح مرآة لخراب ما بعد الاستعمار. عبر عقيلة تومي، الطبيبة الأسيرة، تتحوّل الرواية إلى قصيدة نثر مظلمة ورثاء صامت للمهمَّشين، وتعرية لسلطةٍ تُعيد إنتاج القهر جيلاً بعد جيل

 

في روايته «أُغالب مجرى النهر» (هاشيت ــ أنطوان)، يغوص الروائي الجزائري سعيد خطيبي في أعماق الواقع الجزائري ما بعد الاستعمار، لا عبر التاريخ الرسمي وملاحمه، بل عبر شظايا جسد امرأة: عقيلة تومي، طبيبة العيون التي تتحوّل من مانحة للبصر إلى أسيرة في محبس ضيق. لا تقدّم الرواية قصة بوليسية بقدر ما تقدّم قصيدة نثر مظلمة، ورثاءً صامتاً للإنسان المُهمّش، ونقداً لاذعاً لبُنى السلطة الأبوية والتاريخ الرسمي الذي يتنكّر لضحاياه. إنها رحلة إلى بؤرة البؤس، حيث يصبح الجسد الأنثوي ساحة الصراع الأولى، والذاكرة غربال الزمن، والمقاومة فعل «مغالبة» في وجه تيار جارف من القهر.

الطبيبة التي تُغالب الموت لتُعيد الحياة والبصر

تتجلى مركزية الجسد منذ الصفحات الأولى، فالرواية لا تبدأ بحدث، بل بفضاء: «المكان، الذي لا تتعدى مساحته خمس خطوات طولاً ومثلها عرضاً». هذا المحبس ليس مجرد إطار جغرافي، بل امتداد نفسي لجسد عقيلة المُحاصَر. إنه كيان يتنفس بالرطوبة والرائحة الزنخة، ويعكس حالة داخلية من الاختناق.

في هذا الفضاء، يتحول جسدها إلى أداة مقاومة صامتة. رفضها للأرز الذي «تمرح فيه نملتان» ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل تمرُّد بيولوجي ورمزي ضد إنسانية انتُزعت منها. إنها ترفض أن تُطعم كالبهيمة، محافظةً على ما تبقى من كرامتها في عالم يريد تحويلها إلى مجرد رقم في ملف. وعندما تُجبر على التجرد من ثيابها أمام الشرطية، تتجاوز عملية التفتيش كونها إجراءً أمنياً لتصبح اغتصاباً رمزياً للروح، وتأكيداً على سلطة نظام أبوي يسعى إلى تجريدها من هويتها قبل حريتها.

هذا الجسد، الذي يُسجن ويُهان في الماضي والحاضر، يمتلك سلطة المعرفة والشفاء، فعقيلة تقتلع قرنيّتَي الميّت ببرودة الميكانيكي، لتزرعانهما في عيون المرضى. هذا التناقض يشكل جوهر شخصيتها ويمنح الرواية قوتها: فهي تسرق من الموت لتُهب الحياة، متحدّية القوانين الطبية والأخلاقية والدينية التي تُحرّم المساس بجسد الميت. بهذا الفعل، تصبح عقيلة «تُغالب مجرى النهر» ليس فقط بقوة إرادتها، بل أيضاً بمهنتها التي تمنحها سلطة في عالم يحاول سلب كل شيء منها.

وجوه القهر الثلاثة: الزوج، الدولة، والذاكرة

تُدرك عقيلة أنّها محاصرة داخل شبكة من بُنى السلطة التي تكشف الرواية زيفها وهشاشتها. أبرز هذه السلطات هو الزوج، مخلوف، نموذج الذكورة المستبدة؛ فهو ليس مجرد زوج عنيف، بل طبيب شرعي ذو شخصية مزدوجة مرعبة: في العلن، يُمثل سلطة الدولة والقانون ويخشع عند رؤية الجثث.

أما في البيت، فيصبح طاغية لا يتردد في أن يبصق على جبهة زوجته ويصفعها قائلاً «أضربك من أجل مصلحتك». علاقته بالجثث تكشف عن رهبة دينية لم تمنعه من استغلال مهنته للربح المادي مُشجعاً زوجته على اقتلاع قرنيات الموتى ليبيعها ويقبض ثلاثة أرباع ثمنها. إلى جانبه، يقف المحقق جمال درقين، وجه الدولة الآلي والمتعالي، الذي يتركز اهتمامه على استخراج الاعترافات وتدوين الحقائق بلا أي تعاطف.

نقد لاذع لبُنى السلطة الأبوية والتاريخ الرسمي

إنه بيروقراطي بارد يختزل كرامة عقيلة في ملف، ويمرّ على ألمها مرور الكرام، كما يظهر في قوله لها عن ابنتها: «أنصحك بمحو صورتها من بالك»، فتتجلّى هنا قسوته المطلقة وعدم مبالاته بمعاناة الآخرين. ضد هاتين السلطتين (الزوجية والأمنية)، تبرز شخصية الأب عزوز خالدي، كتجسيد للظلم التاريخي الممنهج.

رجل ناضل في حربين، العالمية الثانية وحرب التحرير تحت كنية «كردادة»، ليجد جزاءه حكماً بالخيانة (عمالة) وشطباً من سجل المناضلين. هذا الاتهام الظالم، الذي رُسمت ملامحه بالتعذيب على ظهره، حوّله إلى منبوذ في مجتمعه، يعيش في سجن خفي من العار خشية اكتشاف الناس لهذا الماضي.

أمله الوحيد في استعادة اعتباره كان معلقاً بصديقه القديم، الصحافي الشهير بودو، الشاهد الوحيد الذي يمكن أن يروي حقيقته للعالم عبر التلفزيون، ويُخرجه من قبره الرمزي. لكن موت بودو في حادث سير وهو في طريقه إلى «بوسعادة» لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان إغلاقاً نهائياً لملف عزوز، وتأكيداً على أن حكايته سُتدفن إلى الأبد، وأن وصمة العار ستصبح إرثاً أبدياً.

يُشكّل ميلود وريمة في «أغالب مجرى النهر» ثنائية رمزية تختصر تاريخ العائلة ومصيرها. فميلود المُمرّض، شقيق عقيلة الصامت، خرج من تجربة السجن بوقارٍ مصطنع وجرحٍ دفين، لكنه يحمل سراً ثقيلاً: هو الأب البيولوجي لريمة من علاقة غير شرعية لم تُكشف بَعد. صمته ليس ضعفاً، بل قناع يخفي تحته عبء السرّ، وعار عائلي يُهدد التوازن الهشّ الذي تقوم عليه الأسرة. إنه «الابن الجريح» الذي يحمل خطايا الآباء ويعيد إنتاجها في صمت، رابطاً بين عالم الطب والعقلانية الذي تُمثله عقيلة، وعالم الغموض والذنوب الذي ترمز إليه دار «بابا ياقوت».

أما ريمة، فهي ثمرة هذا الماضي السريّ، تجسيد حيّ لما طُمِر في الذاكرة الجماعية للأسرة. تبدو بريئة في ظاهرها، لكن براءتها تغطي مأساة مزدوجة: فهي ضحية العلاقة العابرة التي أفرزتها، وضحية حاضر قاسٍ يهددها بالنبذ. حملها غير المرغوب فيه من مخلوف (زوج عقيلة) يعيد تكرار الخطيئة الأصلية في شكلٍ جديد، ويجعل منها مرآة مأساوية لتاريخ يتكرر بلا خلاص.

يكتسب لجوؤها إلى عقيلة طلباً للمساعدة الطبية بُعداً رمزياً عميقاً، إذ تلتقي — من دون علمها — بعمّتها، في مفارقة قدرية تكشف استحالة الانفصال بين الأجيال واستمرار تسرّب الماضي إلى الحاضر. في ضوء ذلك، يصبح ميلود وريمة أكثر من شخصيتين ثانويتين؛ إنهما محرّكا الحقيقة، يعرّيان البنية الأخلاقية الهشّة التي تتخفّى خلف مظاهر الاحترام الاجتماعي.

تتعامل الرواية مع التاريخ كجرح نازف، والذاكرة كغربال. تُجسّد شهلة البرق، المناضلة السابقة، الوجه القاسي للثورة التي لا تعرف التسامح. اتهامها لعزوز بالخيانة لأنه رفض تفجير مقهى أخيه يختزل منطقها الثنائي: إما بطل أو خائن. عنفها الثوري القديم هو ما ولّد العنف اللاحق في جيل مخلوف، وأنتج دائرة لا تنتهي من القهر. كذلك اتهامها لعقيلة بأنها «أرادت أن تعميها» هو محاولة يائسة لممارسة سلطتها القديمة عبر القانون، مستخدمةً موقعها الرمزي كبطلة منسية (لكن موقرة) لمعاقبة عقيلة، خصوصاً بعدما فشلت عملية زرع القرنية المسروقة. إنها ترفض أن تموت كبطلة منسية، فتصبح شبحاً نشطاً يُسمّم الحاضر. تؤكد الرواية عبرها أنّ الذاكرة التي لا تسامح يمكن أن تكون أكثر تدميراً من النسيان نفسه.

جوقة الحكايات: تعدد الأصوات ومرونة الزمن

صاغ سعيد خطيبي عالمه السردي كأنّه مرآة مكسورة، تتناثر فيها الأصوات والزمن والذاكرة في شظايا لامعة. تتناوب عقيلة، وعزوز، والمحقّق على الكلام، فيغدو النصّ أشبه بجوقة تتقاطع فيها الاعترافات والهلوسات والذكريات، بلا صوتٍ يملك الحقيقة كاملة.

يمارس الكاتب اللعب بالزمن كأنه يُعيد ترتيب حلمٍ مضطرب، فتتداخل الأزمنة، وتتماهى الذاكرة بالحاضر، في انسيابٍ يعكس هشاشة النفس وتشبّثها بما كان. أما التفاصيل الحسّية، فهي نبض الرواية الخفي: رائحة الزنزانة، وبرودة الجدران، وطعم الخوف في فم عقيلة، تفاصيل تُعيد للقارئ معنى الألم وتحوّله إلى تجربة ملموسة.

بهذا المزج البديع بين الأصوات، والذاكرة، والجسد، يصوغ خطيبي نصاً درامياً يلتقط ارتجافات الفرد في مرايا التاريخ، ويجعل من السرد رحلةً في أعماق الحقيقة المراوغة والهوية الجريحة.

في الختام، «أُغالب مجرى النهر» ليست مجرد رواية عن امرأة خائفة ووالد مضطهد، بل هي عمل أدبي جريء ومُعقّد، يصرخ بصوت هادئ وقاطع ضد كل أشكال القهر. إنها تترك القارئ مع أسئلة مؤرقة حول العدالة، والحرية، والهوية في مجتمع لا يزال يعاني من صدمات الماضي. سعيد خطيبي لا يكتب رواية واقعية، بل يكتب نصاً مُكثفاً وشعرياً، حيث يتحوّل الألم اليومي إلى مادة أدبية راقية، وتصبح مقاومة امرأة واحدة في محبس رمزاً لصراع الإنسان الأبدي من أجل الحفاظ على كرامته.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى