سوريا اليوم ليست مجرد ساحة اشتباكات بين قسد والسلطة الانتقالية، بل هي مسرح مفتوح لصراع كسر عظم على شكل الدولة القادمة، على من يمسك القرار السياسي والاقتصادي، وعلى من يحدد مستقبل البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وما يجري في الشرق وحلب ليس أحداثًا منفصلة بل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة عنوانها من يحكم سوريا وكيف سيكون شكل هذا الحكم، في الشرق حيث النفط والغاز والمعابر الاستراتيجية يقف مظلوم عبدي وقواته كقوة تمتلك عناصر دولة داخل الدولة، النفط يمنح قسد القدرة على التمويل الذاتي وإدارة مؤسساتها، والمعابر تجعلها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، لذلك عبدي يعرف أن ورقة النفط هي ضمانته الأساسية، هي ما يمنحه مكانة دولية ويجعله قادرًا على فرض شروطه في أي مفاوضات، ومن هنا يرفض أي تنازل يضع هذه الثروة تحت قرار دمشق.
في المقابل تقف السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع بشعار صارم لا سلاح خارج الدولة ولا نفط خارج خزينة دمشق، الشرع يريد دولة مركزية بقرار واحد وخزينة واحدة دون استثناءات لأي طرف أو مكون، ويرى أن أي قوة موازية أو خزينة مستقلة هي تهديد مباشر لفكرة الدولة السورية الموحدة، لذلك المواجهة مع قسد ليست خيارًا بل ضرورة، لأنها تمثل التحدي الأكبر أمام مشروع الدولة المركزية، وعند هذه النقطة انفجر الوضع، لأن الصراع لم يعد مجرد خلاف على إدارة محلية أو صلاحيات بل على جوهر السيادة، على من يملك القرار ومن يمول القوة، ومن يحدد شكل الدولة.
بينما الشرق يغلي على صفيح ساخن، اشتعلت حلب، ولم يكن ذلك مصادفة، لأن حلب ليست مجرد مدينة بل ميزان الشرعية، من يسيطر عليها يثبت للعالم أنه الدولة، الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية كانت رسالة نارية لا حصانة فوق سلاح الدولة ولا مسبحة فوق قرار دمشق، السيطرة على حلب تعني أن دمشق قادرة على فرض سيادتها حتى في الأحياء التي كانت خارج قبضتها، وأن قسد ليست قوة محصنة، لذلك حلب اليوم هي ساحة اختبار، هل تستطيع السلطة الانتقالية أن تثبت أنها المرجعية الوحيدة أم أن قسد قادرة على الصمود وإظهار أنها ليست مجرد قوة محلية بل طرف يفرض شروطه حتى في قلب سوريا.
البعد الدولي حاضر بقوة، الولايات المتحدة تراقب النفط بهدوء لأن مصالحها مرتبطة بالثروات شرق الفرات، تصريح ترامب كان واضحًا نريد نفط سوريا، وهذا يعني أن واشنطن لن تتدخل مباشرة في حلب لكنها ستبقى ممسكة بخيوط اللعبة عبر النفط، روسيا وإيران تدعمان دمشق في مسعاها لفرض السيادة الكاملة لأن ذلك يعزز محور الدولة المركزية، تركيا ترى في أي قوة كردية تهديدًا وجوديًا لذلك تدفع باتجاه تقويض قسد حتى لو عبر دعم دمشق ضمنيًا، إسرائيل والغرب يستخدمون خطاب حماية الأكراد كورقة ضغط سياسية أكثر من كونه تدخلًا عمليًا، وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف يرى في حلب والشرق فرصة لتثبيت نفوذه أو تقويض خصمه، لكن في النهاية المدنيون هم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن النزاع عبر النزوح وسقوط الضحايا وتعطيل الحياة اليومية.
ما يحدث اليوم ليس حربًا بين عرب وكرد، بل حرب على القرار والسيادة، الشرع يريد دولة مركزية خزينة واحدة وسلاح واحد، عبدي يريد ضمانات قوة واحتفاظًا بورقة النفط، الصراع ليس على الهوية بل على من يمسك القرار ويمول القوة، الاشتباكات في حلب هي رسالة واضحة لا أحياء محصنة ولا قوة فوق الدولة، الشرعية تُثبت بالنار ومن يسيطر على حلب يعلن للعالم أنه المرجعية الوحيدة، وإذا انتصرت دمشق في حلب ستثبت أنها المرجعية الوحيدة وأن لا قوة موازية داخل المدن الكبرى، وإذا صمدت قسد ستظهر أنها ليست مجرد قوة محلية بل طرف قادر على فرض شروطه حتى في قلب سوريا، والشرق سيبقى على صفيح ساخن لأن النفط والمعابر هي جوهر الصراع ومن يملكها يملك القرار السياسي والاقتصادي.
سوريا اليوم أمام مفترق طرق، هل ستكون دولة مركزية بقرار واحد وخزينة واحدة كما يريد الشرع أم ستكون دولة مركبة فيها قوة موازية تحتفظ بورقة النفط كما يريد عبدي، حلب هي المختبر الميداني للشرعية والشرق هو خزان القرار والمال، المعركة ليست بين عرب وكرد بل بين مشروعين للدولة السورية، الشرع يريد دولة مركزية وسيادة كاملة وعبدي يريد ضمانات قوة واحتفاظًا بورقة النفط، وأميركا تراقب النفط وتنتظر نتائج هذه الاختبارات لأن النفط هو ما يحدد مستقبل سوريا في نظر القوى الكبرى، لذلك ما يجري اليوم هو صراع كسر عظم على شكل الدولة السورية القادمة، على من يمسك القرار ومن يحدد السيادة، على من يملك الشرعية ومن يثبتها بالنار، وعلى من يملك النفط ومن يفرض شروطه عبره، وهذا الصراع لن ينتهي بسهولة لأنه ليس مجرد معركة ميدانية بل معركة على هوية الدولة ومكانتها، على من يكون المرجع الأخير في دمشق، وعلى من يملك الكلمة المسموعة في الخارج، سوريا اليوم ليست في حرب هوية بل في حرب قرار، ومن يخرج منتصرًا من حلب والشرق سيكون هو من يمسك بمستقبل البلاد.