سوريا تستقطب الاستثمارات السعودية والفرنسية

تشهد سوريا مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والاقتصادي، بدأت تتبلور بشكل واضح منذ إعلان الإدارة الأميركية، في مطلع 2025، رفع العقوبات المفروضة على دمشق بعد سنوات من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية الصارمة. هذا التحول فتح الباب واسعًا أمام علاقات جديدة ومتجددة مع العديد من الدول، في مقدمتها السعودية وفرنسا، اللتين برزتا كداعمَتين رئيسيتين للمسار الجديد الذي تسلكه البلاد.
وقد استقبلت العاصمة دمشق، الثلاثاء، وفدًا اقتصاديًا سعوديًا رفيع المستوى، ضم مسؤولين ومستثمرين كبارًا، في زيارة تهدف إلى بحث سبل التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين. وترأس الوفد مساعد وزير الاستثمار السعودي، عبدالله الدبيخي، ورئيس مجلس الأعمال السوري السعودي، محمد أبو نيان، حيث كان في استقبالهم وزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار، والسفير السعودي في دمشق، الدكتور فيصل المجفل، إلى جانب عدد من المسؤولين السوريين المعنيين بالملف الاقتصادي.
وتأتي هذه الزيارة بعد أشهر من انعقاد أول منتدى استثماري سوري سعودي في دمشق في يوليو/تموز الماضي، والذي أسفر عن توقيع 44 اتفاقية تعاون بين الجانبين، بقيمة إجمالية بلغت 6 مليارات دولار. وهو ما يعكس حجم الطموحات التي ترافق مرحلة ما بعد العقوبات، وإرادة البلدين في بناء شراكة اقتصادية قوية ومستدامة.
بالتوازي مع هذا الانفتاح الخليجي، تسعى سوريا إلى إعادة بناء جسور التعاون مع القوى الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا. فقد أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عن زيارة مرتقبة لوفد من رجال الأعمال الفرنسيين وممثلي شركات كبرى إلى دمشق، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول المقبل. الإعلان جاء عقب لقاء جمعه بالقائم بأعمال السفارة الفرنسية في دمشق، جان باتيست فيفر، ناقشا خلاله سبل التعاون في المجال المالي، وفرص الدعم الفني والتقني، إلى جانب مشاريع بناء القدرات.
ويبدو أن فرنسا، التي كانت لسنوات من أبرز منتقدي النظام السابق، تتبنى الآن مقاربة براغماتية جديدة تجاه سوريا، تُعلي من أهمية الاستقرار الإقليمي والمشاركة في إعادة الإعمار، بدلاً من سياسة العزل والتهميش. وقد تجسد هذا التوجه بشكل واضح من خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الإليزيه قبل أشهر، في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية” على طريق تطبيع العلاقات بين البلدين.
الأمر ذاته ينطبق على السعودية، التي استقبلت ولي عهدها، الأمير محمد بن سلمان، في الرياض، الرئيس الشرع، في زيارة رسمية ناقشت ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، ووصفتها الأوساط الدبلوماسية بأنها نقطة تحول في العلاقات الثنائية.
ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، بدأت الإدارة السورية الجديدة تنفيذ مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، بهدف الخروج من العزلة، وتحقيق الاستقرار الداخلي، وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية. وبالرغم من التحديات الأمنية والسياسية التي لا تزال ماثلة، فإن الحكومة الجديدة تبذل جهودًا واضحة لفك الارتباط مع ممارسات الماضي، وفتح صفحة جديدة تقوم على التعاون والانفتاح والشراكة الدولية.
وتشير الخطوات الأخيرة إلى أن سوريا باتت تملك فرصًا حقيقية لتجديد موقعها على الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية، خاصة في ظل اهتمام متزايد من قبل رؤوس الأموال الخليجية والغربية، بالاستفادة من الفرص الاستثمارية في القطاعات السورية المختلفة، بما في ذلك الطاقة، والنقل، والزراعة، والإعمار.
غير أن هذا المسار لا يزال محفوفًا بالتحديات، أبرزها الحاجة إلى استقرار سياسي طويل الأمد، وإصلاحات قانونية ومالية تعزز الشفافية وتحمي المستثمرين، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها سنوات الحرب والعقوبات. ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية، وخاصة من السعودية وفرنسا، تعكس تحولًا دوليًا في النظرة إلى دمشق، وتفتح أمام سوريا نافذة جديدة للمضي قدمًا في مسار التعافي والتنمية.
ميدل إيست أون لاين