تحليلات سياسيةسلايد

سوريا والحرب التي تأخرت

كان لفشل الحرب الدولية والإقليمية التي شُنّت على/في سوريا، كمدخل للصراع الدولي على إبقاء النظام الدولي أحادي القطبية، أمام تهديدات ولادة نظام دولي جديد، الأثر البالغ في التحوّلات الدولية الكبرى، وخاصةً بعد دخول الساحة الأوكرانية، وتحوّلها إلى البوابة الأخيرة، لتثبيت النظام الدولي المستجد، بتعدديته القطبية والسياسية والثقافية، ما دفع منطقة غرب آسيا ومصر، إلى بدء تبني نظام إقليمي جديد، وفقاً لمعادلات القوة التي أفرزتها الحرب في الساحتين السورية والأوكرانية.

أظهرت المصالحة الإيرانية-السعودية ذات الطابع الزلزالي، والتي تمت برعاية الصين كمدخل بديل من الولايات المتحدة الأميركية، أن هناك سعياً واضحاً وصريحاً، لتثبيت الاستقرار في هذا الإقليم، من خلال بناء نظام إقليمي جديد، يدفع بالانتقال إلى إطار التعاون الإقليمي، برعاية القوتين العظميين الجديدتين الصين وروسيا، ويتم فيه الاستحواذ على الأدوار الكبرى، لكل من إيران والسعودية وتركيا، وهي القوى التي خاضت صراعات غير مباشرة في الساحة السورية، وفي غيرها من الساحات، وخاصةً في اليمن.

يبرز الدور الإسرائيلي في جملة هذه التحوّلات، كعامل قلِق تنخر فيه هواجس استمرار الوجود، وخاصةً بعد أن تحطمت الجدران التي أقامها مع الإمارات والبحرين لمواجهة إيران، وسقوط الرهان على السعودية، صاحبة القدرة الأكبر بتأثيراتها في مجمل دول الجزيرة العربية، بالإضافة إلى معظم الدول العربية في شمال أفريقيا.

تدرك “إسرائيل” بأن طبيعة الأدوار الإقليمية الكبرى، لكل من إيران وتركيا والسعودية، ستكون على حساب الدور الوظيفي لها، ما يلقي بظلال مشوّشة على مستقبل استمرارها كدولة يهودية، وهذا ما يدركه الإسرائيليون الذين رجحت أرقام هجرتهم إلى الخارج، أكثر من الهجرة إليها، لدرجة تُلحظ في المغرب، حيث ازدادت أعداد اليهود المغاربة العائدين من “إسرائيل” إلى مناطق مراكش بالذات، وتسارعت عمليات شراء الأراضي والعقارات، وتأسيس نواة للعمل فيها، لا سيما ممن يحملون الجنسيتين.

تتعامل “إسرائيل” مع مجمل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة بقلق شديد، وخاصةً أن هذه المتغيرات تدفع نحو إخراج سوريا من كارثتها، بعد أن سقط الحاجز المرتفع بينها وبين السعودية وبقية دول الخليج ومصر، وبين إيران التي تشكل الخطر المباشر والأكبر عليها، على الرغم من التباينات الواضحة بين هذه القوى برؤيتها لها.

لا تريد “إسرائيل” للكارثة السورية أن تنتهي، قبل أن يتم الاعتراف بدورها الأكبر على مستوى الإقليم، الذي يعني لها فقدانها الزوال التلقائي، لذا هي تعمل على إمكانية عرقلة بناء النظام الإقليمي الجديد، من خلال البوابة السورية، لمنع الإحاطة بها من قبل القوى التي تعدّها جذرية في مسألة استمرارها بالوجود، وهذا ما عبر عنه عباس غلرو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، التابعة للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية الإيرانية، “كل المناطق المحيطة بالأراضي المحتلة تحت سيطرة محور المقاومة، والجبهات مكتظة بالأسلحة الاستراتيجية”.

هذه الحرب أصبحت مطلوبة من طرفين أساسيين، الأول هو المحور الممتد من إيران إلى شرق المتوسط، وهو الذي عانى من جملة الحروب التي شُنَّت عليه منذ أكثر من أربعة عقود، في كل حلقة من حلقاته بشكل متتابع، والمترافق بعقوبات اقتصادية شديدة الوطأة، وهو بحاجة إلى الحرب لتثبيت واقع تم فرضه بالدماء الغزيرة التي بُذلت لأجله، بأنّ لا يكون لما يعدّه كياناً مؤقتاً الحق في البقاء، وهو الذي ثبت منذ تأسيسه أن لا استقرار ولا تنمية حقيقية بوجوده، عدا عن عدم شرعيته القائمة على الاغتصاب، وهي المنطلق الأساس لرفضه.

الطرف الثاني الذي يريد الحرب، وهو عاجز عنها، هو “إسرائيل”، شرط أن لا تخوضها وحدها، بل بدفع من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، والاعتماد على اعتراض روسيا والصين كدولتين عظميين على تهديدات الطرف المقاوم، من منطلق اعترافهما بشرعيتها الدولية، وتشابك العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، بالإضافة إلى السعودية والإمارات، اللتين لا ترغبان في الإخلال بالتوازن الإقليمي بين الدول الثلاث، بإمكانية هزيمة “إسرائيل”، وبالتالي دور إقليمي أكبر للمحور.

دمشق بطبيعة الحال تحتاج إلى الحرب، ولا تريدها انطلاقاً من سوريا، خاصةً بعد أن تعرضت لكارثة التدمير الكبير، لقواها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وزوال البنى التحية الأساسية، عدا عن الانقسام السياسي والاجتماعي إِثر الحرب، ووجود الاحتلال الأميركي المهدد لها، بالإضافة إلى المجموعات السورية المسلحة، المدعومة والمحمية بالاحتلال التركي، التي يمكن أن تتحرك في الشمال الغربي، بالإضافة إلى مجموعات الجنوب، ولكنها ستكون من أكثر الرابحين في الحرب القادمة، فهي متيقنة من هزيمة “إسرائيل”، ما يُكسبها أوراق قوة، تستطيع من خلالها أن تفرض وقائع جديدة على الأرض، في مواجهة ضغوط المتغيرات الإقليمية، الساعية لتحقيق الاستقرار والأمن في سوريا، بما لا ينسجم مع تصورات دمشق.

لقد كانت الحرب مع “إسرائيل” ضرورة من بداية اجتياح ثورات “الربيع العربي”، التي لم تخرج عن مشروع حلف “الناتو”، الذي عقد مؤتمر لشبونة، في شهر شباط/فبراير عام 2010، والذي بموجبه تم تأسيس لجنة الحكماء الاثني عشر، بقيادة مادلين أولبرايت وعضوية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير، والمستشرق برنارد لويس، وفؤاد العجمي وغيرهم، وهي التي أقرَّت بعد اجتماعات على مدى عام ونصف، خطة السيطرة على كامل دول البحر الأبيض المتوسط، في مؤتمر بروكسل في نهايات 2010، ابتداءً من تونس، وقد كان من الممكن إيقاف هذا الاجتياح، باجتياح مقابل، لما يعدّ نقطة ضعف الغرب في “إسرائيل”، على الرغم من احتياج كل المنطقة العربية لعملية التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

قد يكون ما يحمله شهر رمضان من مؤشرات لتصاعد المواجهة مع “إسرائيل” داخل فلسطين، وخاصةً في القدس والضفة الغربية، وما يمكن لحركات المقاومة في لبنان وغزة وكامل فلسطين، هو الفرصة الأهم لتحقيق قفزة كبيرة على طريق تثبيت واقع جديد، يستطيع أن يحسم مدى إمكانية استمرار كيان لا جذور اجتماعية وتاريخية له في فلسطين، ويدفع بكل القوى الإقليمية الدولية في النظام الدولي الجديد، إلى الإقرار باستحالة تحقيق هذا النظام باستمرار هذه الحالة الشاذة، التي هي بالأساس جزء أساسي من النظام الغربي المهيمن، والاستقرار والأمن في سوريا لن يتحقق ببقائه، وأكثر ما يمكن أن تحصل عليه هو الهدنة المديدة نسبياً.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى