شوقي عبدالأمير: لا أنا أنا ولا العراق عراق

أمس التقيتُ بلادًا أدخل كل الحدود بها
وأعبرُ كل الحدود لها.
أتيت إلى شجر هارب يسكنُ الفاكهاني
لملمتُ موعدنا في الرصافةِ؟
– هل يؤويني هذا الوطنُ بنياشين الموت؟
هذي الليلة،
أسقطُ من مدن الشعر إلى كلمات الأرض
وأمزّقُ صرختيَ الكالحة الصمت
أفتح في موتي
نافذةً للموت
…………………..
…………………..
أمس التقيتُ بلادًا
وغادرتُها
باحثًا عن بلاد.

مسيرة حافلة بالعطاء الإبداعي والثقافي تلك التي عاشها ولا يزال الشاعر شوقي عبدالأمير، فبعد أن غادر العراق عام 1973 قدم للثقافة العربية بالإضافة إلى مجموعاته الشعرية وترجماته ودراساته مشروع “كتاب في جريدة” الذي صدر عنه 175 كتابا وزع كل منها 3 ملاين نسخة في كل أرجاء العالم، وعقب عودته للعراق عام 2015 شرع في إصدار صحيفة أسبوعية يسعى من خلالها إلى تشكيل المشهد الإبداعي العربي عامة والعراقي خاصة شعرا وسردا وتشكيلا، وذلك بعد أن رأى تراجعا في المشهد الذي تجلت فيه في ستينيات القرن العشرين أسماء كبار الشعراء والسرديين والتشكيليين العراقيين، وفي ذات الوقت واصل إصدارات مجموعاته الشعرية الكاملة وأصدر ديوانين جديدين وينتظر إصدار أعماله النثرية وترجماته في ثلاثة أجزاء، كما كثف من حضوره داخل فعاليات وأنشطة المشهد الثقافي آملا في أن يعود العراق في صدارة الحضور الثقافي العربي.

في هذا الحوار مع عبدالأمير نلقي الضوء على مسيرته هذه ما بين ستينيات القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة سعيا إلى إضاءة المشهد الثقافي والإبداعي قبل مغادرته للعراق وبعد عودته.

قال عبدالأمير “منذ عودتي إلى العراق أسعى للإجابة عن سؤال الشعر والثقافة قبل أن أغادر وبعد عودتي، وقد كتبت كتابا في أول زيارة 2003 اسمه “يوم في بغداد” في مائة وسبعين صفحة وبعد ذلك كتبت ديوانين، ومازلت أكتب في هذا السؤال، لذا سأجاوبك في بقع لأنه لا جواب عن هذا السؤال بالنسبة لي.

إن شطرا شعريا لأبي تمام أخرصني لفترة حتى استطعت الخروج منه والبدء في الكتابة، لقد أطبق عليّ وقال كل شيء، حينما قال:

لا أنت أنت ولا الديار ديار

أبو تمام هنا سد عليّ منافذ الكلام، فماذا أقول، بعد 34 عاما لست شوقي عبدالأمير الذي ترك، أنا لست أنا، بغداد ليست بغداد، قالها أبو تمام في أربع كلمات، فماذا أفعل؟ ظللت فترة أعاني للخروج من هذا، وعندما خرجت عشت ومازلت أعيش هذا الخط الموازي للحضور، إنني في العراق عمليا منذ عام ونصف أعيش بخطين متوازيين الأول عراق الذاكرة، أصدقاء الذاكرة وأماكن الذاكرة حين أمر بها، حين أمر بشارع الرشيد أنا في خطين متوازيين: الواقع الذي أراه أمامي والماضي الذي يتحرك في رأسي، بينهما أحيانا أضيع؟ أين أنا؟ أحيانا لا أعرف، في الماضي أم في الحاضر؟ هل حضور الماضي وحضور الذاكرة القوي متعلق بقول، وفي نفس الوقت رفضي القوي للواقع أيضا يدفعني أكثر إلى الماضي، فأحسهما بنفس الدرجة، صورة الماضي بدرجة الحضور الفيزيائي للحياة.

ويضيف عبدالأمير: أحس أنني ممزق تماما بين نزغين الأول ماض نحو الأمس والثاني ماض نحو المستقبل، هذه الحالة مازلت أعيشها في كل مكان أمشي فيه في بغداد، في كل شارع، أنا في اشتباك بين الحاضر والماضي حتى قلت في إحدى القصائد:

أنا في بغداد / حارتان لن أدخلهما/ حارة الحاضر وحارة الماضي.

لأني أرفض كليهما، الماضي أرفضه لأنه منته والحاضر أرفضه لأني لست في حاضري، أنا في مكان أحفره باللغة والذاكرة، أقول هذه بغداد، هذا نهري، هذه مقهاي، هذا بيتي، لكنها غير موجودة، ما هو موجود لا أقبله، لا أقبل بغداد اليوم كما أراها، ولا أقبل العراقيين كما أراهم، العراقيون تغيروا، عاشوا أصعب مراحل القهر الذي تعيشه الشعوب، يعني لا تتصور ماسأة العراقيين، ثلاثون عاما أو أكثر من قهر سلطة ديكتاتورية صدامية لم يعرف لها التاريخ مثيلا، بعدها 14 عاما من الحصار أكل فيها العراقيون نشارة الخشب، يضعونها على القمح، الدقيق، نعم أمي حكت لي أنهم كانوا يضعون نشارة الخشب على الدقيق حتى يكفي الخبز، وعقب سقوط صدام دخلت العراق في مرحلة الدمار والعنف والتطرف الديني والقتل.

لقد عاش العراقيون قهرا لا يصدق، شوه الكثير من ملامح شخصيتهم، أنا أواجه كل هذا لدرجة صرت فيها أحن لصورة العراقي التي كنت أحلم بها في سنوات المنفى، كانت لدي صورة جميلة وعظيمة، وعندما عدت وجدت كأني أبدأ منفاي الحقيقي، هذا الزمن والمكان الذي عدت إليه لا أنتمي له، ليس هذا هو العراق، لقد بدأ المنفى الحقيقي عندما عدت وليس حين كنت بالمنفى.

وأوضح عبدالأمير “أواخر الستينيات كانت مرحلة غليان ثقافي وإبداعي، عام 1969 صدر البيان السيريالي وظهرت قصيدة النثر، الترجمات، كانت الساحة الثقافية تغلي، وكان هناك شعراء كبار، الساحة الثقافية لم تكن فقط مزدحمة بالشعر، كان هناك الفن التشكيلي، الآن حين تذهب إلى بغداد ترى نصب جواد سليم الذي نفذ 1960 قائما إلى اليوم، وبعد ما يزيد عن نصف قرن يعتبر سليم رائدا في النحت العربي، كان الاندفاع العراقي شعرا ونثرا وتشكيلا، لكنه لم يكن كذلك في النقد والقصة، هذه المرحلة كانت من أهم مراحل الانتاج الإبداعي العراقي وللآن مازال الأدباء والشعراء يتغذون منها، لأن أسئلتها مازالت عميقة ومستمرة ومتواصلة إلى اليوم.

إلى اليوم تحس أن هناك امتدادات لدى الشعراء والأدباء الذين يكتبون إلى هذه المرحلة، لا أستطيع القول إنها صدفة، فالصدفة لا تعني شيئا بالنسبة لي، إنما هي محصلة مرحلة مهمة تشبه ما صار في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. تعرف أن الحروب عادة تدمر، لكن الحياة أقوى، وأن انبعاث الحياة بعد الدمار من أهم لحظات الانبثاق والتطور لدى كل شعوب العالم.

أثناء – وبعد – الحرب العالمية الأولى عام 1920 ظهرت موجات من الاتجاهات: الدادائية والمستقبلية والتعبيرية وغيرها، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت أيضا موجات من الاتجاهات، يعني دائما الإنسان ينتفض بعد تجربة الموت، العراقيون أيضا بعد تجربة عام 1963 التي هي تجربة الموت العراقي عندما جاء حزب البعث ودمر وقتل وذبح، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعيش فيها العراق ذبائح ودمار، بعدها جاءت فترة سقوط حزب البعث المرة الأولى، وفترة استرخاء سياسي دامت من 1965 حتى أوائل السبعينيات، هذه السنوات أشبهها بالسنوات التي عاشتها أوروبا بعد الحربين العالميتين. شهدت العراق انتفاضة ابداعية ليخرج هذا النتاج العظيم المسمى بالستينيات والذي صار مؤثرا حتى أنه أوقع النقاد في فخ التسمية، فصار هناك السبعينيات والثمانينات والتسعينيات وهذا برأيي لا يجوز.

وقال عبدالأمير “فقط هي مرحلة الستينيات التي يمكن تحديدها لا خمسينيات ولا سبعينيات ولا ثمانينيات ولا غيرها، وهذا لأسباب منها صدور البيان السيريالي عام 1969 وقرئ كأنك في باريس مع أندريه برتون. قصيدة النثر ظهرت بقوة، قصيدة النثر عتيقة بالنسبة للإنتاج الشعري العراقي، حضورها يمتد لـ 60 عاما، كنا نجلس على المقهى فيأتي إليك شعراء قصيدة النثر ليسمعوك آخر ما كتبوا، وكانت الصحف والمجلات تنشر لهم، هذه المرحلة كانت عظيمة. اليوم هناك بصمات يمكن إيجادها، لكن هناك خليطا واشتباكا وتراجعا كبيرا على كل المستويات وليس على المستوى الأدبي بل على مستوى المجتمع، النساء اللاتي كنت تجدهن سافرات ويرتدين التنانير القصيرة بالشارع، الآن يلبسن الأوشحة والللفافات، إنني لا أتعرف على الشارع العراقي الذي تركته إطلاقا، هناك ردة على كل المستويات: الاجتماعية، الاقتصادية، الأدبية.. إلخ، لكن هذه الردة طاغية غير منتصرة، انتصارها آني، لأن النار تحت الرماد، مازالت النار تشتعل، عندما تشتبك مع المشهدين الثقافي والإبداعي ترى بصمات، ترى بداية البريق، إنني متفائل بزوال الرماد وأن العراق سيعود من جديد ليؤدي دوره وحضوره الأدبي والإبداعي بشكل عام.

ولفت عبدالأمير إلى أن اليمن بالنسبة له هي وطنه الثاني، وقال “عشت في باريس من عام 1976 حتى سقوط صدام حسين 2003، عشت بجواز دبلوماسي يمني، وكنت مدير المركز الثقافي اليمني في باريس، ودخلت منظمة اليونيسكو كمستشار لمنظمة اليونيسكو كيمني وليس كعراقي، وهذا أمر لا بد أن يذكر، لأن صدام حسين أسقط عني الجواز، حين ذهبت عام 1976 إلى السفارة العراقية لأجدد جوازي فتح موظف السفارة الشباك وقال: تريد جواز؟ لو رأيتك هنا مرة أخرى سوف أضعك في كيس وأرحلك إلى بغداد. من وقتئذ كانت لي علاقة مع اليمن الجنوبي ومع السفير اليمني وأصدقاء يمنيون آخرون وقد دعوني وقالوا هذا بلدك تفضل، فعملت داخل السفارة وأصبحت الملحق الثقافي لسفارة عدن في باريس عام 1977، ومن ثم بدأت علاقتي العميقة مع اليمن.

تواصلت تواصلا عميقا وجميلا مع عدن وحضرموت وغيرهما من المدن اليمنية الجنوبية، هناك اكتشفت بيت الشاعر الفرنسي رامبو وأقمت مركز رامبو الشعري، واستمرت علاقتي ونشاطاتي مع اليمن حتى بعد الوحدة التي كانت أمرا عظيما، وأسست المركز الثقافي اليمني في باريس، وأقمنا العديد من الأنشطة حتى عام 1994 عندما وقعت الحرب اليمنية اليمنية، ودون الدخول في تفاصيل تركت السفارة لأعمل مستشارا ثقافيا لمنظمة اليونيسكو لكن أيضا بجوازي اليمني، واستمريت حتى سقوط صدام حسين حيث أعدت جوازي إلى السفارة اليمنية، لكن يظل بيني وبين اليمن ثلاثة عقود من الحب والجمال والمواصلة الحقيقية، اليمن من أبسط الشعوب العربية وأعمقها، اليمني بئر عميقة لكنه متواضع وهادئ.

وحول تأثير الغربة على تجربته الشعرية وكتاباته، قال عبدالأمير: الغربة ولادة جديدة، لولاها لكنت كأي شاعر عراقي بين الآلاف من الشعراء الموجودين، ولم أكن لأعرف أوروبا أو أتعلم الفرنسية، أو أترجم، أو اكتشفت قارات الدنيا.. إلخ، كنت سأصير شيئا آخر، الغربة ولادة جديدة، وتذكرني دائما كم نحن صغار قياسا لتراثنا الأدبي والشعري. وسأفاجئك بشيء، هناك مقطع شعري عمره 5 آلاف سنة لشاعر سومري، ترجم في سنوات الستينيات، وأنا أحفظه وكنت دائما ما أتذكره في الغربة، وسأقول لك المقطع وأشرحه ليتبين لك معنى الغربة بالنسبة لي من خلاله، يقول:

لقد نفتنا الآلهة

غرباء حتى مع أنفسنا

نجوس أزمنة الماضي والآتي

دون قيثارات

هكذا كان حكمنا الأبدي

ورحلة بحارة يعشقون النبيذ

هذه غربة السومري، غربتي، سوف أشرحها لك “لقد نفتنا الآلهة / غرباء حتى مع أنفسنا” يعني أول غربة لا مع الوطن ولا مع اللغة ولا مع الأرض، لا مع العائلة، ولكن مع أنفسنا، فأول حدود للغربة مع النفس، ثم “نجوس أزمنة الماضي والآتي” لم يقل نجوب لأن “نجوب” تتنسق مع الأرض، قال “نجوس” هواجس، ماذا يجوس “الأزمنة” لأنه ليس منفيا بالمكان ولكن بالزمان، لماذا هو يجوس الماضي والآتي؟ لأن الحاضر ملغى، إما أن يحلم بما كان أو ينتظر ما سيأتي، الحاضر غير موجود، مصادر، يعني أن يكون لك جسد/ وجود لكن زمنه مصادر، هذا هو المنفى.

“نجوس أزمنة الماضي والآتي”، ليس دون خبز أو نساء أو سلطة أو مال، لكن “دون قيثارات”، لم يسم إلا حاجته للموسيقى، و”رحلة بحارة يعشقون النبيذ” انظر إلى الصورة الخيالية، موسيقى وسكر وبحر ورحيل، هذا هو المنفى بالنسبة لي، يعني إذا أردت أن أوجز وبلغة نقدية تقريرية: المنفى ليس في المكان، وليس في اللغة فالإنسان ابن الأرض، الشاعر ابن الأرض، الإنسان والأرض هما الأساس، أعبر من بلد إلى بلد، ومن لغة للغة، وفي هذا مكسب وإضافة، أنا إذ أنفى، أنفى مع نفسي وذاتي، وأنفى حين يصادر حقي، وبهذا المعنى شعوب كاملة تعيش في أوطانها منفية، وذلك حين يصادر حاضرها، اليمنيون اليوم منفيون في اليمن، لأن حاضرهم مصادر، المنفى مفهوم زمني وسيكولوجي وداخلي وليس مفهوما أرضيا، لقد ولدت وتعمقت علاقتي بالخارج من خلال المنفى.

وأشار عبدالأمير إلى إن خروجه من العراق 1974 كان مفصلا شعريا وشخصيا وثقافيا ونفسيا وحضاريا.. إلخ في حياته، وقال: لأني خرجت إلى العالم وصرت مواطنا عالميا، تعلمت اللغة الفرنسية وكتبت بها 12 كتابا، وأصبحت عضو اتحاد الكتاب الفرنسيين وعضو اتحاد الكتاب العرب، من المنفى تعلمت ما هي لغتي؟ اكتشفت عبقرية وضعف اللغة العربية، هذه مسألة غاية في الأهمية باعتبارك شاعرا واللغة هي أداتك، لا بد أن تفهم قوة وضعف لغتك، كيف ستعرف ذلك وأنت بداخلها، من في وسط المعركة لا يرى أطرافها، اخرج خارج اللغة وتطلع عليها من مكان آخر، سترى مكامن قوتها ومكامن ضعفها، هذا حدث لي مع اللغة العربية، بعد أن امتلكت زمام اللغة الفرنسية وبدأت أشتغل وأعيش فيها، اكتشفت أشياء عظيمة في اللغة العربية، وأشياء ضعيفة في اللغة العربية، هذا أفادني في شعري كثيرا، استفدت أن اللغة العربية بها إطناب وإفاضة وأيضا جمالية وقدرة على الاستعارة والاختزال عالية، لكن فيها فضضة مثل تلك المرأة التي تلبس ثوبا عريضا وفضفاضا، مطرزا وموشى لكنه فائض، لكن اللغة الفرنسية لغة تتلبس الجسد دون فائض، اختزال اللغة والانتباه إلى الفائض الزائد هذا تعلمته من اللغة الفرنسية، صارت لغتي مشدودة أكثر، وكتبت ديوانا كاملا بعنوان “أبابيل” نصوصه مثل المسامير: “تمتلئ البئر بالأسرار عندما تنشف”، لقد تخلصت تماما من الفضفضة والغنائية وهذا أهم ما استفدته من اللغة الفرنسية.

ولفت عبدالأمير إلى أنه أفاد كثيرا من الشعر الفرنسي وأن له شعراءه الذين أحبهم بين الفرنسيين ويشكلون إضافة حقيقية للشعر الإنساني مثلا هناك علاقة بودلير بمفهوم التمرد واللعنة، وعلاقة رامبو بالغضب، علاقة وأوجن غييفيك بالاختزال، لقد تعلمت من تجارب الشعراء الفرنسيين الكبار الاختزال والاختراق، كيف يكون الشاعر مسبارا، نحن نفكر في التطريز اللغوي الاستعاري، هذا صار بالنسبة لي من أمراض اللغة في الشعر العربي، صورة مركبة على صورة، إلى أين أنت ذاهب يا أخي وماذا تريد أن توصل؟ هذا التراكم الصوري الغث الخارج على البناء، القصيدة بها بنية وهندسة مثل العمارة، أنا شاعر أمومتي عربية ولكن أبوتي فرنسية.

وحول تجربة كتاب في جريدة قال عبدالأمير: هو أهم مشروع في حياتي وباعتراف المنظمة الدولية التي أعطتني جائزة عنه، هو أكبر مشروع عربي مشترك أطلقته منظمة اليونيسكو في كل تاريخها، وقصته بدأت عندما تعينت مستشارا ثقافيا في اليونيسكو والتقيت مع المدير الأسباني فيديريكو مايور ورئيس جامعة غرناطة وكان صديقي ويحب شعري، قال لي: لدي مشروع باللغة الأسبانية عظيم وأنا أحب العرب، وأريد تطبيقه في العالم العربي، وهو عبارة عن أن نأخذ كتابا ونحوله إلى 35 صفحة أو أقل أو أكثر قليلا بقطع النصف من الجريدة ونصوره ونعمل شبكة توزيع، ونوزع الكتاب على كل الدول الشريكة في المنظمة، فيصدر في يوم واحد رواية أو ديوان شعر يوزع مع الجريدة اليومية بملايين النسخ مجانا، عندما سمعت ذلك أخذت ووقعت بأسر المشروع، وقلت له: على استعداد لأن أضع روحي كلها في هذا المشروع، قال لتبدأ إذن، قلت: إنني مدير مركز الثقافة اليمني، قال: استقل من المركز لتصبح مستشاري ولنبدأ المشروع للعرب جميعا، وقتئذ وقعت الحرب في اليمن، واضطررت لترك المركز، لأعمل مستشارا لدى المنظمة وأبدأ في تنفيذ المشروع بالمنطقة العربية.

جمعنا من كل بلد أهم جريدة يومية في مصر الأهرام، وفي اليمن الثورة، وهكذا كل الدول العربية ما عدا العراق الذي كان يعتبرني منفيا، وصرنا نصدر 3 مليون نسخة توزع مجانا شهريا في المنطقة العربية، وبقيت 16 عاما أصدرت 175 كتابا في 3 ملايين حوالي نصف مليار نسخة، لن يذكرها أحد، لن يقول أحد أن شوقي عبدالأمير وراءها، الشعوب تتذكر نعم، لكن الدول والمؤسسات لا، دائما ما أسأل لماذا توقفتم، توقفنا لسبب تافه وبسيط، صار هناك احتجاج من الدول الفقيرة في اليونيسكو أن العرب يمتلكون الأموال فلما تصرف عليهم المنظمة، عليهم أن يمولوا مشروعهم بأنفسهم، وهذا من حقهم، ذهبنا للعرب جاءنا الشيخ محمد بن عيسى الجابر صاحب مؤسسة عربية خاصة دعمنا لمدة عشر سنوات لكنه تعرض لأزمة مالية، فتوقف الدعم وتوقف المشروع ولم يقدم واحد من كل أصحاب المليارات العائمة حولنا أن يدعم هذه الفكرة النبيلة وتوقف المشروع لهذا السبب.

ولفت عبدالأمير أن توقف كتاب في جريدة هو الرد المثالي للتدهور الثقافي الذي نعيشه، ماذا نعيش على المستوى الثقافي؟ الجسور منقطعة بين الإنتاج الثقافي والقراء، أين الجسور؟ أنت تؤلف الكتاب وتطبع على حسابك ألف نسخة وتبدأ في توزيعها باليد، كما ترى يوزعونها باليد، هذا ليس نشرا ولكن “بهدله”، لا يوجد نشر ولا توزيع، لا مؤسسات ولا أكشاك ولا مكتبات، الآن العرب صاروا يبيعون في معارض الكتب فقط، المكتبات ماتت، لا يوجد نشر ولا يوجد توزيع، وأصبح هناك جيتو ثقافي في كل مدينة، لأنه لا يوجد تواصل أو جسور.

عندما تجد مشروعا يصدر لك كتابا بثلاثة ملايين نسخة، أينما تكون بالعالم العربي يمكنك الحصول عليه، سأعطيك مفاجأة عندما جئت لنشر كتاب لنجيب محفوظ وهو الكتاب رقم 3 في المشروع، أول كتاب المتنبي، والكتاب الثاني “رأس المملوك جابر” وكان تكريما لسعد الله ونوس الذي كان يحتضر وقتئذ، والكتاب الثالث “أصداء السيرة الذاتية” لنجيب محفوظ، ذهبت لأشتري حقوق كتاب محفوظ لأننا كمنظمة عالمية لا نستطيع أن نتجاوز حقوق الناشر والمؤلف، ذهبت لمكتبة مصر وسألت كم باع الكتاب؟ أخرج مدير الدار الكشف، وقال 5 آلاف نسخة، دهشت من ضعف الرقم، المهم أننا اشترينا حقوقه وأعطيت شيك لمحفوظ بحقوقه في بيته، لأن صاحب دار النشر قال إن حقوق النشر طرف الأستاذ محفوظ، وأذكر أنني ذكرت رقم توزيع النشر لمحفوظ في حضور ابنته، وذكرت له أنه في إطار هذا المشروع سوف يتم توزع 3 ملايين نسخة، فاندهش وسأل كيف؟ فشرحت له المشروع، فقال إنه فكرة عظيمة وعبقرية، وسأل من صاحب الفكرة؟ فقلت له روائي من بيرو هو من ابتكر هذه الفكرة، كانت له علاقة صداقة مع رئيس تحرير جريدة يومية، فعرض عليه أن يعطيه رواية يطبعها مع الجريدة ويوزعها مجانا، وقد حدث وطبعت ووزعت مجانا، فجاء الروائيون والكتاب الناطقون بالأسبانية وطلبوا بتعميم الفكرة، وذهبوا إلى مدير عام منظمة اليونيسكو فيديريكو مايور وكان أسبانيا وطالبوه أن يعممها، فوافقهم. وهنا ازداد حماس نجيب محفوظ مثنيا على الفكرة ومن وراء تنفيذها عالميا وعربيا.

ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى