تعرفتً على الفنان العالمي الكبير فاتح المدرس، وأنا في مقتبل العمر، ثم أصبح أستاذي، وقام بتدريسنا الفن التشكيلي وعلاقته بالصحافة، وذات مرة اختارني لأضع تصوّرا عن ماكيت صحيفة ثقافية، والماكيت هو التصميم الأساسي للصحيفة، ويتعلق بتوزيع المواد والعناوين والصور والأخبار، ويرتبط ذلك مباشرة بالإخراج الفني.
كان عليّ أن أخرج وارسم هذا التصور على اللوح، فقلت له : أنا أكتب للصحافة ولا أٌقوم بإخراجها، فهز رأسه، وألح على طلبه بعبارة مرحة: بلا فلسفة، عليك أن تضع تصورا لأرى مواهبك!
ومن يعرف الفنان الراحل، يعرف خفة دمه ومرحه، لذلك استجبت له ، ورسمت على اللوح مستطيلاً كبيراً وقسمته إلى أعمدة وعناوين واسم الصحيفة واللوغو (الشعار)، وكان التصميم الذي قدمته يدل على (تدني) مواهبي في هذا المجال.
وعندما انتهيت أنبني، وطلب مني الدخول، ونصحني بعدم العمل بالصحافة، وجاء تقييمه بعبارة شعبية فحواها أن علي أن أبحث عن عمل آخر غير الفن والصحافة (لاقيلك شغلة غير هالشغلة)!
في الاستراحة، ذهبت إليه، وأخبرته بأنني أتابع صفحته الخاصة بتحليل تواقيع القراء، وهي زاوية بدأها فاتح المدرس في صحيفة أردنية، ثم نقلها إلى صحيفة تشرين في سورية، وطلبت منه أن يعلمني الطريقة، فرفض، وبعد إلحاح امتد على مساحة زمنية تزيد على الشهر أعطاني الخيوط الأولى للعملية، وهي فن قائم بذاته اسمه : غرافولوجي أي تحليل الخط .
ومن خلاله التمرس في هذه العملية وامتلاك ثقافة فنية، يمكن التعرف على صاحب الخط وخفاياه ليس بمعنى التنبؤ بل بمعنى الدلالات التي يتركها على الورق كحركة التوقيع واتجاهاتها ومرونة الخط وانكساراته ووضوح الاسم أو غموضه، فكل حركة أو انحناء في التوقيع يمكن أن تدل على شيء محدد عند صاحبه.
وتلقائياً شرعت بالتدرب على العملية، إلى أن ظن كثيرون أنني مختص بعلم الغرافولوجي، وفي احدى المؤتمرات تجمع حولي في صالة الطعام أكثر من عشرين رجلاً وامرأة يريدون تحليل تواقيعهم، ومع كل تحليل كان العدد يزداد إلى الدرجة التي لم يعد عندي عبارات جديدة.
المشكلة وقعت عندما خاطرت وتحدثت عن توقيع أحد المسؤولين الكبار (المعلم) في إحدى الجلسات، وكانت الإساءة إليه أو السخرية منه يمكن أن تؤدي إلى حبل المشنقة، ومع ذلك حللت له توقيعه، وتفاديا لأي تقرير قد يُكتب عني حشدت كل الصفات اللافتة ووضعتها في التحليل ، فهو (يمتلك العظمة والقوة والثقة بالنفس والحكمة.. إلخ) .
ولم يُقم علي الحد، إلا بعد ربع ساعة، عندما جاءني أحد الأصدقاء، وهمس لي مؤنباً، فقال : لاقيلك شغلة غير هالشغلة!
فهمتُ ماذا يقصد ، لكنه أعادني مباشرة إلى الفنان الرائع فاتح المدرس رحمه الله عندما قيمني بالعبارة نفسها، ولكي أتأكد سألته : لماذا ؟! فأجاب : لأن كل الصفات التي تحدثت فيها عن (المعلم) لاتنطبق عليه !
ومات المعلم، وكان من السهل على الشعب السوري، أن يفهم شخصيته من توقيعه، وكان صديقي قد فهم اللعبة !
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



