
من الرخام في مصر إلى الفوسفات في المغرب والحديد في الجزائر واليورانيوم في السعودية، تتوسع الصين بمعدلات سريعة في بناء استثمارات حيوية ذات آثار اقتصادية انتشارية في الدول العربية، ومكاسب استراتيجية واقتصادية للصين، تساعدها على تثبيت نفوذها في المنطقة لسنوات وعقود طويلة قادمة، خصوصا مع تشبيك هذه الاستثمارات في سلاسل الإمدادات الصينية في قطاعات التعدين والطاقة الجديدة والخدمات اللوجستية والبطاريات الكهربائية. ومن خلال هذه الاستثمارات تحقق الصين فائضا اقتصاديا مع واحد من أهم أقاليم الثروة في العالم، يتمتع بوجود ثروة هائلة في باطن الأرض وعلى السطح من النفط والغاز والفوسفات والحديد واليورانيوم، إضافة إلى الثروة المالية المتراكمة للمنطقة في المصارف ومؤسسات الاستثمار العالمية.
ويحقق نمط الاستثمارات الصينية في المنطقة العربية مكاسب ضخمة للصين لا تقل عما تحققه من مكاسب من خلال نمط التجارة السلعية والخدمية. وتحقق الصين هذه المكاسب ليس لأنها دولة استعمارية جديدة، ولكن لأن ما يهم الحكام العرب هو امتلاء خزائنهم وليس رفاهية شعوبهم. وبفحص ما يتم الكشف عنه، فإن عقود الاستثمار والحصول على امتيازات التنقيب عن الثروات المعدنية وتشغيل المناجم وبناء سلاسل إمدادات تتصل بأسواق الصين وسلاسل الإمدادات التي تغذيها أكثر من اتصالها بالأسواق المحلية والإقليمية.
وتكشف طبيعة النموذج الاستثماري الجديد الذي تعتمد عليه الصين للتوسع في الأسواق العربية، أنها تحصل على فائض اقتصادي ضخم من خلال التجارة والاستثمار يفوق بكثير ما يعود على الدول من منافع. ونظرا لأن التجارة ترتبط ارتباطا وثيقا بالانتاج فإن أنشطة البحث عن المعادن واستخراجها تمثل الخطوة الأولى لبناء نموذج تجاري واستثماري جديد.
ولا تعتمد الصين على نظام للتقسيم الدولي للعمل شبيه بالنظام الاستعماري الجديد، ولكنها تعتمد على نظام يضمن التخصص المُربِح للطرفين من خلال تنمية سلاسل الإنتاج وتطوير دور الدول المشاركة في حلقاتها طبقا لمعايير التنافسية والقدرة على اختراق الأسواق الخارجية في مجالات إنتاج السلع وتقديم الخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى والمحتوى التكنولوجي الأكثر تقدما.
حتى الآن تقف الدول العربية التي بدأت رحلة الدخول إلى سلاسل القيمة والإمدادات الصينية (مصر والمغرب والسعودية والجزائر) عند المرحلة الأولى التي تتمثل في استخراج وتوريد المعادن في صورتها الأولية أو شبه الأولية. ومع ذلك لا توجد أمامها عوائق تحول دون الصعود إلى الدرجة الأعلى، حيث تتخصص في مرحلة أعلى تكنولوجيا. وربما تكون المملكة المغربية أكثر الدول المؤهلة لذلك حاليا في مجال صناعة بطاريات السيارات وبطاريات تخزين الطاقة من المصادر المتجددة.
جاذبية نموذج الاستثمار الصيني
تقدم الصين للدول العربية نموذجا جديدا للاستثمار يختلف عن تلك النماذج التي سادت في العلاقات الاقتصادية مع الدول الصناعية الغربية (الاستعمارية) حتى نهاية القرن الماضي، حيث كانت الاستثمارات الأجنبية تتركز في القطاعات الخادمة للنمو في الدول الصناعية، من خلال التخصص في توريد الطاقة والخامات المعدنية والمواد الأولية الزراعية.
هذا النمط القديم كان يتسم أيضا بسمات الإنغلاق والعلاقات الخطية ذات الطابع الثنائي في أغلب الأحوال، بين المنتج التابع والمستثمر المسيطر. كذلك اتجهت الدول الصناعية الغربية بقيادة الولايات المتحدة إلى «تسييس التجارة والاستثمار والتحويلات المالية» والتوسع في هذه السياسة منذ بداية القرن الحالي، مع تصاعد دور القوى المنافسة للولايات المتحدة.
وبسبب طموح الدول العربية إلى تنويع اقتصادها، خصوصا الدول النفطية، واتباع استراتيجيات تنمية تطمح إلى بناء قدرات تنافسية، فإن نموذج الاستثمار الغربي، الذي كانت ترعاه أيضا المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، لم يعد ملائما للدول العربية عموما. ومع إطلاق الصين مبادرة الطوق والطريق في عام 2013 بعد أكثر من 10 سنوات على انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية، فإنها سعت إلى تقديم نموذج جديد للاستثمار إلى دول الجنوب النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، يتجنب القيود التي ينطوي عليها نموذج الاستثمار الأجنبي المباشر، سواء من حيث نوعية التخصص أو إتاحة التمويل.
وفي هذا السياق طورت الصين استراتيجية شبكية لا خطية، متعددة الأطراف لا ثنائية، اقتصادية لا تخضع لاعتبارات سياسية، مفتوحة للمنافسة على أسس المزايا التنافسية وقواعد الربح المتبادل، وليس احتكار المكاسب من جانب المستثمر الأجنبي. وكذلك اتجهت الصين إلى تكثيف علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية في إطار شبكي متعدد الأطراف يتجه إلى توسيع نطاق التعاون من خلال مجموعة بريكس جنبا إلى جنب مع العلاقات الثنائية. ومن خلال المستويات المتعددة للاستثمار تشارك الصين في أكثر من مرحلة بدءا من تمويل المشروعات وصولا إلى تسويق إنتاجها من خلال سلاسل الإمدادات الصينية المنتشرة حول العالم.
وفي إطار هذه الاستراتيجية، نلاحظ أن الصين نادرًا ما تكتفي بشراء منجم على سبيل المثال. بدلاً من ذلك، فإنها تعتمد نهجاً شاملاً، ينطوي على إقامة علاقات شبكية متعددة المستويات مع المشاريع الاستثمارية التي تقوم بها، بدءا من التمويل وأنشطة البناء والمقاولات وإمداد تلك المشاريع بالتكنولوجيا الصناعية الملائمة وصولا إلى تسويق المنتجات النهائية للمشاريع، بما في ذلك تصديرها إلى الصين ضمن عملية معقدة للتكامل من خلال ترابط حلقات سلاسل الإنتاج.
ويتضمن نموذج الاستثمار الشبكي مشاركة البنوك الحكومية في التمويل، وقيام شركات المقاولات والتوريدات العملاقة بتنفيذ الإنشاءات والأعمال الهندسية، والمشاركة في إقامة مشاريع البنية الأساسية في قطاعات مثل الموانئ والسكك الحديد ومشاريع الطاقة والتعدين، إضافة إلى توقيع عقود طويلة الأجل لشراء منتجات تلك المشروعات، وهو ما يساعد على تقليل نسبة المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدول المضيفة للاستثمارات الصينية، عن طريق ضمان سوق خارجية مستقرة لشراء منتجاتها من السلع أو الخدمات.
ويمثل قطاع التعدين وقطاعات استغلال الثروات الطبيعية عموما أحد أهم القطاعات التي تتركز فيها الاستثمارات الصينية في الدول العربية. وهناك أسباب كثيرة تفسر زيادة اهتمام الصين بالاستثمار في قطاع التعدين. من أهم هذه الأسباب أن الصناعات الجديدة الأسرع نموا في العالم مثل صناعة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة تحتاج إلى كميات ضخمة ومتنوعة من المعادن. وفي هذا السياق ترغب الصين في توسيع نطاق مصادر الموارد الطبيعية التي تستغلها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى جانب أنشطتها الاستثمارية في دول أفريقيا جنوب الصحراء، خصوصا وأن الدول العربية تحتل موقعا فريدا في سلاسل الإنتاج العالمية، وموقعا جغرافيا فريدا بين قارات العالم.
وتلتقي هذه الرغبة الصينية مع رغبة الدول العربية في تنويع مصادر إيراداتها بعيدا عن النفط والغاز. من هنا فإن الاستثمارات الصينية في الموارد الطبيعية مثل المعادن والخامات المنجمية تمثل أنشطة مربحة لكل من الطرفين. ويمكن القول إن استثمارات الصين في قطاع التعدين بالدول العربية، تكتسب ملامح استراتيجية طويلة الأجل، وليست مجرد أنشطة انتهازية تستجيب لدوافع قصيرة الأجل. وتجد الدول العربية، خصوصا تلك التي تعاني من قصور في تمويل الاستثمارات، في الصين عونا كبيرا طويل الأجل؛ فهي تقدم قروضا سهلة نسبيا وطويلة الأجل في مجالات الأنشطة الاستخراجية، ثم هي تهتم في عملية التصنيع بزيادة القيمة المضافة للمعادن والمواد الخام، قبل تصديرها للخارج، بما في ذلك الصادرات إلى الصين.
وقد تتجه بعض الصادرات إلى أسواق أخرى غير السوق الصينية، ما يساعد على خلق سلاسل قيمة إقليمية. وتتجنب الصين التدقيق في المناخ السياسي المحيط بالاستثمارات، أو ربط الحريات السياسية بالعلاقات الاقتصادية، وهو أمر يعجب الدول العربية. ومع ذلك فإن هذه المزايا التي يقدمها النموذج الصيني في الاستثمار الأجنبي أدت إلى الكثير من الأضرار الخارجية في الدول المضيفة للاستثمار، خاصة في إطار مبادرة الطوق والطريق ومشروعات البنية التحتية ورأس المال والمبادلات التجارية. وساهمت أيضًا في بعض البلدان المضيفة في حدوث أضرار اقتصادية من خلال عدة قنوات، أخطرها مشاكل القدرة على تحمل الديون، حيث يتم تمويل العديد من الاستثمارات الصينية من خلال قروض سيادية من مؤسسات مثل بنك الصين للتصدير والاستيراد وبنك التنمية الصيني.
وتضعف قدرة الدول المضيفة للاستثمار عندما تكون إنتاجية الاستثمار أو العائد الفعلي من الاقتراض أقل من التكلفة المستحقة، بسبب الفساد أو عدم الكفاءة. المثال الأوضح على ذلك هو ميناء «هامبانتوتا» في سريلانكا، ما أدى إلى حصول شركة صينية على امتياز تشغيله بعد صعوبات في سداد الديون. كما واجهت زامبيا ضغوطًا شديدة بسبب الديون المستحقة عليها للصين التي تم إنفاقها على مشاريع بنية تحتية ضخمة بتمويل صيني. وكان من نتائج الأضرار الاقتصادية استنزاف جزء كبير من احتياطي العملات الأجنبية،
وتضييق الهامش المالي الذي يمكن أن تتحرك فيه الحكومة، وتخفيض الإنفاق على الصحة والتعليم، واتساع عجز الحساب الجاري، ما يضغط على أسعار الصرف ويؤدي لتخفيض قيمة العملة الوطنية. كذلك ارتبطت الاستثمارات الصينية في بعض الأحوال بانخفاض مستوى التكنولوجيا التي تحصل عليها الدول المضيفة وما ينتج عن ذلك من ضعف الارتقاء الصناعي المحلي والتبعية طويلة الأجل بدلاً من التنمية. وفي بعض الحالات لم تحقق مشاريع الاستثمار التي تقودها الصين النتائج المتوقعة. من أمثلة ذلك الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، وشبكة الطرق السريعة في الجبل الأسود نتيجة للديون التي ترتبت عليها. وتتضمن الانتقادات الشائعة لنموذج الاستثمار الأجنبي الصيني أن شروط العقود تكون سرية في العادة، ما يؤدي إلى غياب الشفافية في جميع مراحل المشروع، وافتقار العطاءات إلى التنافسية. وفي الحالات التي تعجز فيها الدولة المدينة عن سداد الالتزامات المالية المستحقة عليها فإن النتيجة في بعض الأحوال قد تكون مصادرة الأصول، وحصول الصين على امتيازات جائرة تعيد شبح التبعية الاقتصادية من جديد. لكن كل هذه الأضرار والانتقادات لا تحجب المكاسب الضخمة التي يقدمها نموذج الاستثمار الأجنبي الصيني في الدول النامية، ومنها فيتنام وإثيوبيا.
في أغلب الأحوال تفوز الصين استراتيجياً في نمط استثماراتها في الدول العربية، لأن النموذج الاستثماري الذي تستخدمه في الوصول إلى الصفقات وإدارتها يقوم على تغليب اعتبارات الأجل الطويل، ويتجنب الاحتكام إلى المعايير السياسية (الحريات واحترام حقوق الإنسان مثلا) والبيئية (معايير جودة المناخ وحماية البيئة) والفنية مثل معايير التصنيف الائتماني، في اتخاذ قرار الاستثمار. هذا النموذج يتماشى مع طموحات ورغبات معظم الدول العربية، إن لم تكن جميعها. ولضمان استدامة ونجاح هذا النموذج يتم تشبيك مشروعات الاستثمار في قطاعات التعدين وصناعات الطاقة الجديدة والصناعات التحويلية بسلاسل الإنتاج في السوق الصينية أو المشاريع المملوكة للصين في دول أخرى داخل الإقليم (مصر والمغرب مثلا)، أو خارجه مثل باكستان.
ويحدث الأمر نفسه في مجال الاستثمار في الخدمات اللوجستية في إطار مبادرة الطوق والطريق، على طول خطوط الإمدادات البحرية والبرية والجوية. الدول العربية ذات الخطط والبرامج الاستثمارية الواضحة يمكنها الخروج بمكاسب اقتصادية واضحة، مثال السعودية والمغرب. في حين أن الدول العربية الضعيفة غالباً ما تخسر على المدى الطويل، لأنها تعاني في كل الأوقات تقريبا من ضغوط في الأجل القصير، خصوصا فيما يتعلق بالحاجة إلى التمويل، والحاجة إلى استيراد السلع.
إعادة استخدام الفائض التجاري في التمويل
تحقق الصين فائضا ضخما في تجارتها مع الدول العربية، بما في ذلك الدول النفطية يتجاوز في أحيان كثيرة 85 في المئة من قيمة التجارية المتبادلة. على سبيل المثال، في عام 2024، كان التبادل التجاري بين الصين والجزائر غير متكافئ بشكل كبير، حيث صدرت الصين ما قيمته 11.7 مليار دولار أمريكي، مقابل صادرات الجزائر التي سجلت 800 مليون دولار أمريكي، سيطر عليها الغاز البترولي (391 مليون دولار). هذا يعني أن الفائض التجاري لمصلحة الصين يبلغ 10.9 مليار دولار، ما يعادل 87 في المئة من قيمة التجارة الثنائية بين البلدين.
في العام نفسه بلغت قيمة التجارة المشتركة بين مصر والصين حوالي 17 مليار دولار، منها صادرات مصر للصين بقيمة أقل من مليار دولار، مقابل صادرات من الصين إلى مصر بقيمة 16 مليار دولار تقريبا. أي أن العجز التجاري بلغ حوالي 15 مليار دولار، ما يعادل 88 في المئة من قيمة التجارة المشتركة. وفي حين تستورد الدول العربية من الصين السلع الصناعية الاستهلاكية والاستثمارية فإن صادراتها للصين تتمثل أساسا في البترول والغاز والسلع الأولية.
على سبيل المثال فإن أهم صادرات مصر إلى الصين تتمثل في غاز البترول، وخام الحديد، وفوسفات الكالسيوم، وألياف الكتان. الأمر لا يختلف كثيرا في حال تجارة الصين مع الدول العربية النفطية باستثناء العراق، إذ تحقق الصين بشكل عام فائضا تجاريا مع السعودية والإمارات، في حين أنها تعاني من عجز في تجارتها مع العراق، فقد بلغت واردات الصين من العراق في عام 2024 ما قيمته 38.237 مليار دولار، مدفوعة بواردات النفط الخام، أما صادراتها إلى العراق فقد بلغت ما قيمته 15.9 مليار دولار. وبذلك فإن العراق حقق فائضا تجاريا بقيمة تتجاوز 22 مليار دولار، ما يعادل 40 في المئة تقريبا من قيمة التجارة المشتركة. وازداد انخراط الصين في استثمارات الموارد الطبيعية للدول العربية بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، لا سيما في قطاعات النفط والغاز، وهو القطاع التصديري الرئيسي للدول العربية، وبشكل متزايد في قطاعي الطاقة والتعدين، إذ تحولت من شريك تجاري رئيسي إلى مستثمر مهم وشريك استراتيجي.
صحيفة القدس العربي



