كان المطر .. صورة مأساتي !

كم هو صعب أن يطرح الإنسان أسئلة كثيرة على نفسه :

لماذا تذهب بعيدا في أفكارك ؟

ما الذي تريد أن تقوله وأنت تعد نحو ألفي يوم على الحرب التي أكلت الأخضر واليابس؟ مصيبة وقعت عليك وعلى من حولك، فكيف تتعامل معها ؟ كم تستطيع الصمود ؟ هل ستبقى أم ستهاجر ؟ ماذا لو وقعت أسيرا بين يدي الذباحين ؟

ماذا ؟ كم ؟ هل ؟

****

وخرج إلى المطر :

لم تكن المدفأة متوهجة كما كانت من قبل.. كان لهيبها يرسم في عتمة الغرفة أجواء تأخذه بعيدا إلى حيث يتوهج الحلم .. إلى دفء من نوع خاص.. ((الدفء)) : من كان يقول لكم إن الدفء مرتبط بالمدفأة ؟!

هذا ما كان يقوله لأصدقائه، وهو يتحدث عن نظريته في الحياة والسعادة والحب ..

أبدا لايحتاج الدفء إلى مدفأة ومازوت أو كهرباء والذي منه .. الدفء يحتاج إلى مشاعر حب ، وهذه المشاعر قادرة على إذابة جليد القطبين !

****

لماذا تذهب بعيدا في أفكارك ؟ لماذا تقول اليوم إن الحياة بلا مدفأة لاتساوي شيئا !

يا إلهي .. كيف يمكن أن نعيش بلا مدفأة ومازوت وكهرباء وشوارع وسوبر ماركت وكوفي شوب ؟!

يا إلهي .. أي حياة هذه بلا دفء ؟!

****

وكانت تمطر ..

تمطر، وهو واقف على نافذة شبه محطمة ألصق الزجاج فيها عشر مرات كي لا يتساقط: مرة من القصف الإسرائيلي العنيف الذي تسبب في زلزال مقداره أربع درجات؟ ومرة من قصف رتل للإرهابيين كان مارا قرب بيته في حي أغلقته الدولة، وآخر مرة نتيجة وقوع قذيفة الهاون على المطعم الموجود أسفل بيته !

وكانت تمطر ..

وكانت الرياح تأخذ المطر بعيدا عن النافذة ، ثم تعود لترشقها به في غضب أسطوري .. وكان المطر صورة مأساة تستعيد لحظات تشبه الدفء !

وعاد إلى المدفأة !

*****

أنت أفضل حالا من الآخرين . لم يدمر بيتك . قل ..هذا صحيح؟ .. لم تهجّر من حارتك وأهلك . قل هذا صحيح؟ . لم يقتل أهلك أو أخوتك أو أولادك أمام عينيك . قل هذا صحيح ؟.. هل حصل معك ماحصل مع سامر وماهر وخالد وجورج وكيف انهارت أحلامهم ودار فيهم الزمان دورته المرّة..

هل اغتصبوك كما فعلوا مع رجاء ؟ قل .. أجب !

… …

وكانت تمطر ..

وكان يعرف أن هناك سوريين ينامون في شوارع مدينتهم .. وكان يعرف أن هناك سوريين لايرون أفقا للحل .. وكان يعرف أن فوق المدينة طائرات وصواريخ وقذائف هاون وغيوم سود ودم ورعود كما يغني مارسيل خليفة!

كان المطر صورة مأساته ودفئا قديما لا يحتاج إلى مدفأة !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى