بلا حدود

كان يا ماكان …

ماهر المملوك

كان يامكان كان الحب مالي بيتنا ومدفينا الحنان ..

زارنا الزمان وسرق منا فرحتنا والراحة والأمان والله زمان يا هوى زمان ..

 

سمعت هذه الأغنية الجميلة في احدى السهرات اللطيفة بالأمس بدعوة كريمة من صديق محب في منزله من خلال اداء جميل لمغني سوري شاب موهوب وهي للمؤلف والملحن بليغ حمدي وكأني أسمعها لأول مرة ولتؤثر هذه الكلمات في كياني وفي نفسي ولكأني اسمعها لأول مرة واستوعبها واعيشها بحذافيرها مع ذكريات عبرت ومن خلال مخيلتي التي سرحت بي إلى ذلك الزمان الجميل ،وتحركت في أعماقي ومشاعري ذلك الزمان الذي كان ولم ولن يعود ، لتصبح الحياة جدولًا مزدحمًا بالمواعيد والمنبهات، وقبل أن يُقاس الوقت بعدد الإشعارات لا بدقات القلب، كان لذلك الزمان الطعم المختلف والرائحة المختلفة والمعنى الأعمق. كان زمنًا بسيطًا في شكله، غنيًا في روحه، هادئًا في إيقاعه، يشبه بيتًا مفتوح الأبواب تسكنه المودة قبل أن تسكنه الأشياء. ذلك هو “زمان الحب مالي بيتنا”، لا لأنه خالٍ من الهموم، بل لأنه كان يعرف كيف يحتويها.

في ذلك الزمن الجميل، كانت الحياة أقل تعقيدًا، وأكثر وضوحًا. العلاقات الإنسانية لم تكن تحتاج إلى وسائط، ولا إلى شاشات تُترجم المشاعر أو تُفلتر الكلمات. كان اللقاء وجهًا لوجه، والصوت يصل دافئًا دون تشويش، والاختلاف يُحلّ بالحوار لا بالحظر. كان الإنسان يرى الآخر بعينيه لا بصورته، ويسمعه بقلبه لا من خلال خوارزمية تقرر ما ينبغي أن يسمعه.

نمط العيش آنذاك كان أقرب إلى الطبيعة الإنسانية. البيت لم يكن مجرد مكان للنوم، بل مساحة للدفء والحديث والسكينة. العائلة كانت تجتمع حول مائدة واحدة، لا حول أجهزة متعددة. القصص تُروى، والضحكات تُسمع، والصمت نفسه كان ذا معنى. لم تكن السرعة فضيلة، بل كانت الطمأنينة هي القيمة الأعلى. كان الناس يعرفون أن للحياة إيقاعًا لا يجوز كسره، وأن لكل شيء أوانه.

قبل أن تدخل التكنولوجيا بقوتها الجارفة، لم يكن الإنسان معزولًا داخل ذاته كما هو اليوم، كلما زادت وسائل “التواصل”، ازداد الشعور بالوحدة. في الماضي، كان التواصل محدودًا في أدواته، لكنه عميق في أثره. رسالة واحدة كانت كافية لإشعال الفرح، ولقاء قصير كان يترك أثرًا طويلًا في الذاكرة. أما اليوم، ففيض الرسائل لم يمنع الجفاف العاطفي، وكثرة الصور لم تمنع غياب المعنى.

ثم جاءت التكنولوجيا، لا كضيفٍ خفيف الظل، بل كقوة أعادت تشكيل كل شيء: الوقت، العمل، العلاقات، وحتى نظرتنا لأنفسنا. دخلت حياتنا بوعد التسهيل، لكنها حملت معها منطق السرعة والمقارنة والضغط الدائم.

لم نعد نعيش اللحظة، بل نوثقها. لم نعد نسأل: كيف نشعر؟ بل: كيف سنبدو؟ تحوّل الإنسان من كائن يعيش التجربة إلى كائن يعرضها.

ومع وسائل الإعلام الحديثة، خاصة تلك المسيسة، تعقّد المشهد أكثر. لم تعد الأخبار مجرد نقل للواقع، بل أصبحت صناعة للانطباع، وتوجيهًا للمشاعر، وتغذيةً للخوف والغضب. دخلت السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتسللت إلى العقول قبل البيوت، حتى صار القلق حالة عامة، والانقسام أسلوب حياة. لم تعد الحقيقة واضحة، ولا الكذب مستغربًا، وأصبح الإنسان محاصرًا بسيل من الرسائل المتناقضة التي تستنزف وعيه وتشتت انتباهه.

وسائل التواصل الاجتماعي، التي وُلدت بشعار القرب، ساهمت في خلق مسافات جديدة. صارت العلاقات تُقاس بعدد الإعجابات، والقيمة الذاتية بعدد المتابعين. نشأ نوع جديد من الاغتراب: اغتراب الإنسان عن ذاته. الجميع حاضر، لكن القليل فقط موجود حقًا. الكل يتكلم، لكن نادرًا من يُصغي. الضجيج يعلو، والمعنى ينسحب بهدوء.

ومع ذلك، فإن الحنين إلى ذلك الزمن ليس دعوة للعودة إلى الوراء أو رفض الحاضر بالكامل. هو، في جوهره، حنين إلى القيم التي كانت تحكم ذلك الزمن: البساطة، الصدق، القرب الإنساني، والقدرة على العيش دون هذا الكم الهائل من التعقيد. هو تذكير بأن التقدم التقني لا ينبغي أن يكون على حساب الإنسان، وأن الحداثة لا تكتمل إن فقدت روحها.

“زمان كان الحب مالي بيتنا” ليس مجرد مرحلة زمنية، بل حالة إنسانية يمكن استعادتها، ولو جزئيًا، في خضم هذا العالم المتسارع. يمكن استعادتها حين نختار أن نبطئ قليلًا، أن نُعيد الاعتبار للقاء الحقيقي، للكلمة الصادقة، وللصمت المشترك. حين نُدرك أن التكنولوجيا أداة لا غاية، وأن الإعلام وسيلة لا مرجعية، وأن الإنسان يظل القيمة العليا مهما تغيّرت الأزمنة.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تغيّر الزمن فعلًا، أم أننا نحن من تغيّر؟ ربما الاثنين معًا. لكن المؤكد أن ذلك الحنين ليس ضعفًا، بل وعيٌ بما فقدناه، ورغبةٌ في ألا نفقد ما تبقى. ففي وسط هذا العالم المعقّد بكل أشكال التعقيد من معنى، ما زلنا بحاجة إلى شيء من ذلك الزمان… زمان كان الحب فيه يسكن البيوت قبل أن تنقلب بنا الأحوال إلى هذا الزمان المجهول .

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى