كواليس باريس.. إسرائيل غيرُ معنيةٍ بالسلام مع سوريّة وتضع شروطًا تعجيزيّةً…
زهير أندراوس

يتبيّن من تحليلات الخبراء الصهاينة في دولة الاحتلال، والذين يعتمدون على إحاطاتٍ من صُنّاع القرار في تل أبيب، أنّ دولة الاحتلال ترغب بالسلام مع سوريّة وفق مقاييسها، ولا تُبدي أيّ استعدادٍ للتزحزح قيد أنملةٍ عن مواقفها وخططها التوسّعيّة في بلاد الشام، أيْ أنّها تُريد “السلام” عبر القوّة، وإذا لم تحصل على ما تُريد فإنّها ليست بصدد المضي قدمًا في العملية المتعثرّة أصلاً.
وفي هذا السياق أكّد المستشرق تسفي بارئيل في صحيفة (هآرتس) العبريّة أنّه “في الاجتماعات التي عُقدت بين سوريّة وإسرائيل في باريس هذا الأسبوع برعاية الولايات المتحدة، تمّ التوصل إلى اتفاقيات، لكنّها لا تزال بعيدة كلّ البعد عن ضمان السلام أوْ تطبيع العلاقات بين البلدين الجاريْن”.
ورأى أنّه “سيأتي اختبارها العملي قريبًا: متى ستتوقف إسرائيل بالفعل عن عملياتها الجوية والبرية في سوريّة، ومتى يتم إنشاء (غرفة العمليات) أو (الآلية) المشتركة في الأردن، ومتى يتم نقل المعلومات الاستخباراتية من إسرائيل إلى سوريّة، ومتى توافق سوريّة على العمل بناءً عليها، ومتى تظهر النتائج على أرض الواقع”.
وبحسبه، صرح مصدرٌ دبلوماسيٌّ غربيٌّ لـ (هآرتس) هذا الأسبوع قائلاً: “هناك حسن نيّة بين الجانبين، لكن الألغام، كالعادة، تكمن في التفاصيل. مَنْ سيحدد ماهية التهديد؟ مَنْ سيتصدى له وكيف؟ هل ستُلزم الولايات المتحدة بالموافقة على أيّ عملٍ؟ وماذا لو لم يتحرك الجيش السوري بالسرعة والنطاق اللذين تطالب بهما إسرائيل؟ ففي النهاية، لدينا بالفعل تجربة مع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، الذي لم ينجح منذ البداية”، بحسب الدبلوماسي، الذي يمثل دولة مشاركة في المحادثات مع سوريّة، وتابع الدبلوماسيّ: “يجب أيضًا أخذ التدخل التركيّ في سوريّة بعين الاعتبار، مُوضحًا أنّ تركيا ليست شريكاً مباشراً في المحادثات، لكنها كانت وستظل تؤثر على قرارات الرئيس السوري أحمد الشرع.”
على صلةٍ بما سلف، رأى المحلل العسكريّ في صحيفة (يديعوت أحرونوت) رون بن يشاي أنّه ليس من الملحّ حاليًا بالنسبة لإسرائيل التوصل إلى اتفاقٍ أمنيٍّ، أوْ إلى أيّ اتفاقٍ أصلًا، مع سورية برئاسة أحمد الشرع، المعروف لدينا بلقبه الجهادي أبو محمد الجولاني”.
وأردف: “أولًا، لأنّه لم يتضح بعد ما إذا كان الشرع، الرجل الذي يرتدي بدلة رسمية والذي حظي برشّة عطر من ترامب، مختلفًا فعلًا عن الجولاني الذي قاد تنظيم جبهة النصرة حتى وقت غير بعيد”.
وتابع “ثانيًا، هو لا يسيطر فعليًا على كامل الأراضي السورية، كما أنّ حكمه غير مستقر. في الواقع، لا يسيطر على أكثر من 60 بالمائة من مساحة سورية، وهو يواجه صعوبة في فرض سلطته حتى على مجموعات “مليشياوية جهادية متطرفة” تندرج ضمن (هيئة تحرير الشام)، التنظيم الجامع الذي يترأسه. هذه المليشيات غير راضية عن (الإسلام المعتدل) الذي يفرضه الشرع في سورية ولا عن السياسة الموالية للغرب التي ينتهجها”.
وعن المصلحة الأمريكية، أوضح بن يشاي أنّ ترامب يريد إرضاء السعودية وقطر وتركيّا، ولا يهمه كثيرًا أن يتم ذلك على حساب الهوامش الأمنية الواسعة التي تطالب بها إسرائيل لنفسها في الجولان.
وأكّد: “في باريس، اقترح الأمريكيون، عبر سفيرهم في تركيا برّاك، إقامة لجنة تنسيقٍ لمنع الاحتكاك، على غرار الآلية التي عملت مع روسيا، تجتمع في الأردن وتضمّ ممثلين عن إسرائيل وسورية والولايات المتحدة، من خلالها، تنقل إسرائيل إنذارًا استخباريًا، ويقوم النظام السوري بإحباط التهديد”.
وبحسبه “هذا الوضع مريح لإسرائيل، لكنّ ترامب معنيّ بإطلاق مفاوضاتٍ والتوصّل إلى تسويةٍ دائمةٍ، أو على الأقل إلى ترتيبٍ أمنيٍّ، بين إسرائيل وسورية. السبب الأول هو أنّ ذلك يخدم خطته لتثبيت الاستقرار والتهدئة والسلام في الشرق الأوسط، وهو موضوع بالغ الأهمية بالنسبة له، من بين أمور أخرى بسبب رغبته في نيل اعترافٍ دوليٍّ وجائزة نوبل للسلام. السبب الثاني هو أنّ لترامب مصلحة في الاستجابة لضغوط السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، وخصوصًا تركيا”.
“كما يُفترض أنْ تتيح اللجنة حوارًا مدنيًا حول قضايا الإعمار، البنى التحتية والتجارة، على أنْ يُوسَّع لاحقًا إلى قضايا سياسية وغيرها عندما يحين وقت الحديث عن السلام. في الوقت الراهن، توافق الجانبان فقط على مناقشة اتفاقٍ أمنيٍّ”.
واختتم المُحلِّل قائلاً “إنّه من وجهة نظر إسرائيل، لا يمكن الحديث حتى عن تفاصيل تنفيذ الاتفاق الأمنيّ ما لم تُلبَّ المطالب الجوهرية لتل أبيب: نزع السلاح من جنوب سوريّة، حق العمل الإسرائيليّ داخل الأراضي السوريّة لإحباط التهديدات، ومنع وجودٍ تركيٍّ يقيّد حرية العمل الجوي ويشكّل تهديدًا للجولان. وما دامت هذه المبادئ لم تُحسَم، إلاّ إذا وافقت إسرائيل على التنازل، فلن تُسفر المحادثات عن نتيجةٍ فعليةٍ”، طبقًا لأقواله.
صحيفة رأي اليوم الألكترونية



