تاريخ

كولومبوس و العرب .. من سبق الى العالم الجديد؟

سامح المحاريق

تثور شكوك كثيرة حول صحة اعتبار كولومبوس هو المكتشف الأول للعالم الجديد، وأن الشواطئ الشرقية للقارة الأمريكية الشمالية بقيت بكرا لآلاف السنين، والأخطر من ذلك هو الشكوك التي تدور حول كولومبوس نفسه، فباحث ألماني يدعى هاينكة زودهوف ينسب بالعديد من القرائن القوية أن الفينقيين الكنعانيين تمكنوا من الوصول إلى السواحل الأمريكية في مرحلة مبكرة جدا، والمعروف أن الفينيقيين اشتهروا بالملاحة والتجارة، وقاموا ببناء العديد من المستوطنات حول افريقيا، سواء جرى ذلك من خلالهم مباشرة أو عبر مستوطنتهم الكبيرة في قرطاجة.
ما الذي يدفع زودهوف إلى الافتراض بأن الفينقيين وصلوا إلى الشاطئ الأمريكي؟ من الناحية العملية لم يكن يوجد ما يمنع البحارة الفينقيين من الإبحار لمسافات بعيدة، فهم يمتلكون المعرفة اللازمة لذلك، ووجودهم على سواحل افريقيا الغربية المقابلة للقارة الأمريكية الجنوبية يمكن أن يجعلهم يسلكون الطرق البحرية تجاه الغرب، خاصة أنهم بعيدين عن مخاطر الشمال وثلوجه، أما القرائن التي يقدمها زودهوف فهو وجود أمور متشابهة لدى الهنود الحمر مع نظيراتها في منطقة الشرق، ومن ذلك ممارسات الدفن مثل ثقب الجمجمة، وبناء الأهرامات لغايات الدفن، وعبادة زهرة اللوتس التي يقدسها المصريون، بعض التشابه في اجراءات العبادة مثل وجود قصص حول الإله بعل، وطريقة نحت التماثيل التي عبدها الهنود الحمر.
أدلة وجيهة فعلا، ولكنها ليست كافية، فالسؤال الرئيسي لماذا لم يعرف العرب بوجود العالم الجديد، ولماذا حافظوا على تسميته ببحر الظلمات واعتبروه نهاية العالم، الأسباب الممكنة كما نتوقع، هو أن العرب لم يكونوا في تلك المرحلة متمكنين من التعامل مع الموروث الفينيقي على المستوى اللغوي والمعرفي، بمعنى أن مرحلة التقدم المعرفي العربي أتت بعد التفوق العسكري الذي أحرزه العرب، ويمكن أن المخطوطات الفينيقية حول مغامرة عبور الأطلسي ضاعت تماما، ويمكن أيضا أن بعضا من الفينقيين وصلوا إلى ذلك العالم الجديد ولكن أحدا منهم لم يتمكن من العودة.
زودهوف، يمضي إلى أبعد من ذلك في التفكير، فهو يرى أن العرب كانوا يعلمون بوجود العالم الجديد وهم في الأندلس، وأن كولومبوس، وهو شخصية غامضة قام بتغيير اسم عائلته لأكثر من مرة، كما ادعى أنه ايطالي المولد، علما بأنه لم يكن يتقن الايطالية من الأساس.
لم يكن كولومبوس، هذه الشخصية التي يمكن أن تقود رحلة الإبحار عبر المتوسط، ولم يكن بإمكانه أن يفترض كروية الأرض، وأن الطريق إلى الهند ممكن من خلال الإبحار في الاتجاه المعاكس للطريق
التقليدي عبر رأس الرجاء الصالح. ما يمكن أنه حدث، هو أن كولومبوس استفاد من المعارف العربية الموجودة في الجغرافيا، وأقنع الأسبان بتمويل رحلته، ولكن هذه المعارف الجغرافية المتقدمة والتفكير في كروية الأرض لم تكن مسائل تدفع بالضرورة إلى أن العرب كانوا يعرفون فعلا بوجود العالم الجديد، ولكن خلاصة حضارتهم في الأندلس كانت هي الطريق الذي عبره كولومبوس باتجاه اكتشافه الكبير الذي غير وجه التاريخ.
لماذا الأندلس، وليس أي من علماء الجغرافيا المسلمين الكبار الذين ظهروافي العراق أو مصر أو فارس، بالتأكيد لطبيعة الموقع الجغرافي والاتصال المباشر بمتطلبات الابحار على حواف الأطلسي، وكان الاضطرار قائما لسيطرة العباسيين والمماليك على المتوسط، وكان الكسل الجغرافي بسبب ذلك، فالمسلمون كانوا يقبضون على الملاحة في المتوسط بيد حديدية، وكان على الأوروبيين أن يبحثوا عن الطرقات البديلة سواء في البحر أو البر.
لو وصل العرب فعلا للعالم الجديد، فإننا أمام دليل على فرق هائل في التحضر لمصلحة الشعوب العربية القديمة، وذلك أنهم علموا سكان ذلك العالم وأثروا معرفتهم، ولم يستغلوا التفوق للسيطرة عليهم أو اخضاعهم وبالتأكيد لم يفكروا في إبادتهم، على عكس الأسبان الذين جعلوا هذه الأرض تشهد واحدة من أكبر المجازر في التاريخ الإنساني وأكثرها عنجهية وفظاعة.

 

صحيفة الرأي الأردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى