فن و ثقافة

كيف تصبح سينمائيًا في ثلاثة أشهر؟ وهم السرعة في زمن الاستسهال

عمار أحمد حامد

السينما ليست مهارة… بل بناء ثقافي

السينما ليست كاميرا تُشغَّل، ولا برنامج مونتاج يُتقن، ولا سيناريو محفوظ القالب بثلاثة فصول.

السينما تراكم ثقافي:

  • معرفة بالتاريخ
  • وعي بالصورة
  • علاقة مع الزمن
  • فهم للجسد والصوت والصمت
  • احتكاك عميق بالإنسان والواقع

وكل هذا لا يُختزل في ” دورات” ولا يُضغط في جدول زمني تسويقي.

السينما ليست سباقًا.
وليست شهادة.
وليست نهاية دورة.

هي طريق طويل، وفي أغلب الأحيان… طريق بلا ضمانات.

في زمنٍ ليس بعيدًا،
كانت المؤسسة العامة للسينما تُقيم دبلوم العلوم السينمائية وفنونها، على مدار عام أكاديمي كامل، ضمن برنامج واضح، ومناهج، ومحاضرين، والتزامات.

وكان الطالب المتخرج يحصل على شهادة رسمية معترف بها من:

هذه ليست تفاصيل إدارية. بل إعلان ثقافي صريح:
السينما جزء من المعرفة الوطنية،
وليست نشاطًا ترفيهيًا أو هواية عابرة.

عام كامل كان يُفترض فيه أن:

  • يقرأ الطالب أكثر مما يصوّر
  • يشاهد أكثر مما ينجز
  • يشك أكثر مما يثق
  • يتعلّم لماذا يفشل قبل أن يُطلب منه أن “ينجح”

الفارق الجوهري: ماذا نُدرّس؟

الدورات السريعة اليوم تُدرّس: كيف تفعل الشيء؟

أما التعليم السينمائي الجاد فكان يسأل: لماذا تفعل هذا الشيء أصلًا؟

وهذا هو الفرق بين التدريب والتعليم. بين المهارة والمعرفة. بين المهنة والفن.

السينما لا تقوم على الإجابات، بل على الأسئلة.

وحين تُلغى الأسئلة من التعليم، نحصل على سينما ملساء، متشابهة، بلا مخاطر.

ماذا تُنتج دورات «الثلاثة أشهر»؟

لنكن واضحين بلا مواربة: هذه الدورات لا تُنتج سينمائيين، بل تُنتج وهم السينمائي.

تمنح المتدرّب:

  • ثقة أعلى من معرفته
  • لقبًا قبل الاستحقاق
  • إحساسًا بالاكتمال قبل البداية

فيخرج إلى العالم معتقدًا أنه صار مخرجًا، ثم يصطدم بواقع لا يرحم.

النتيجة؟

  • أفلام متشابهة
  • لغة بصرية مستنسخة
  • سيناريوهات بلا عمق إنساني
  • ومخرجون يملكون الأدوات… بلا رؤية

من التكوين إلى التسويق

ما يحدث اليوم ليس تعليمًا، بل سوق تدريب.

الدورة تُصمَّم لتُباع:

  • مدة قصيرة
  • وعود كبيرة
  • صور جذابة
  • شهادات أنيقة

لا أحد يسأل:

  • ماذا سيتعلّم المتدرّب فعليًا؟
  • ما المرجعية الفكرية؟
  • ما التاريخ الذي سيعرفه؟
  • ما الذائقة التي ستتشكّل؟

لأن السوق لا يهتم بالذائقة، قدر ما يهتم بعدد المشتركين.

الفرق الجوهري: ماذا نُعلِّم؟

الدورات السريعة اليوم تُعلّم: “كيف تفعل”

أما الدبلوم، فكان يسأل: “لماذا تفعل؟”

وهذا هو الفارق الكبير.

لأن السينما ليست سلسلة إجراءات، بل شبكة أسئلة:

  • لماذا هذه اللقطة هنا؟
  • لماذا هذا الصمت؟
  • لماذا هذه الشخصية؟
  • لماذا هذا الإيقاع؟

هذه الأسئلة لا تولد تحت ضغط الجدول الزمني، ولا في ورشة تُختصر إلى ساعات.

أين اختفى الزمن؟

الزمن هو العدو الأول لهذا النموذج. لأن الزمن يُنتج الشك، والشك لا يُسوَّق.

عام أكاديمي كامل، كما في دبلوم العلوم السينمائية، كان يعني:

  • وقتًا للقراءة
  • وقتًا للنقاش
  • وقتًا للفشل
  • وقتًا لإعادة النظر

أما اليوم، فالزمن “ترف.” وكل ما هو ترف… يُلغى.

ليست نوستالجيا… بل مساءلة

هذا المقال ليس حنينًا للماضي، ولا دعوة لإعادة إنتاج نموذج انتهى.

حين نقارن دبلومًا أكاديميًا معترفًا به، بدورات تعدك بالسينما في ثلاثة أشهر، فنحن لا نقارن زمنين، بل عقليتين.

عقلية كانت ترى في السينما مسؤولية ثقافية، وأخرى تراها منتجًا سريع الاستهلاك.

ولنكن منصفين:
الدورات يمكن أن تكون مفيدة، كمدخل، كنافذة، كنقطة بداية.

لكن الكارثة حين تُقدَّم بوصفها بديلًا كاملًا، وحين يُمنح المتدرّب لقبًا قبل أن يمرّ بالتجربة.

السينما لا تُعلَّم بلا زمن. ولا تُصنع بلا فشل. ولا تُورَّث بلا ذاكرة.

سؤال أخير لا بد منه

إذا كنّا نريد سينما جادّة، ولغة بصرية حقيقية، وأصواتًا مختلفة لا نسخًا مكررة… فكيف نقبل أن نعلّمها بعقلية:
“كيف تصبح سينمائيًا في ثلاثة أشهر»؟

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى