نوافذ

لا تكن مثل جابر .. سيقتلكم الأعداء قبل غيرهم و” مشطو يا شلبي”

محمد الحفري

كم من جابر في بلادنا؟ وما النتيجة التي سيجنيها “الجوابر” في النهاية؟ و”الجوابر” الذين نقصدهم هنا ليس أولئك الذين يجبرون الخاطر ويطبطبون على الجراح كما العادة، بل ربما يكونون على العكس.

كان جابر يعيش حياة عادية ويمكن وصفه نقدياً بالشخصية البسيطة، ثم تحول فيما بعد إلى شخصية مركبة ونحن نقصد هنا وبالمركبة على وجه التحديد عدم استقرارها وعيشها في حالة من التوتر والقلق، لكنها في السياق العام بقيت مع البسيط وهذا يعني اصطلاحاً أنها كانت منفعلة فقط.

حدث هذا أيام اجتياح جيوش هولاكو لمنطقة الشرق بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص، حيث كانت الأوضاع رجراجة والأمة في حالة مستلبة، ولا تملك من أمر نفسها شيئاً، أو لعلها كذلك من يوم يومها كما يقال، ونحن هنا لا نريد الدخول إلى التاريخي، ويمكن اعتبار ما حدث هو فوق الورق وحسب، وكان يمكن أن يبقى جابر كما هو عليه لولا دخول الطمع إلى قلبه ووقوعه في شراك الإغراء الذي عرض عليه.

لقد التقطت مسامعه حيرة “ابن العلقمي” أو وزير بغداد تلك الأيام بشأن تسريب أو توصيل رسالة إلى قائد الجيوش الغازية، يعربُ فيها عن استعداد جماعته أو أعوانه لفتح أبواب بغداد بمجرد وصول الجيوش، ولكن العقبة التي تواجهه هو الخشية من اكتشاف الحراس لتلك الرسالة، وهنا يتدخل جابر ويقترح فكرة ذكية يعجب بها الوزير أشد الإعجاب، وهي أن يحلق شعر رأسه وتكتب الرسالة عليه، وحين ينمو من جديد، يقطع بوابات المدينة من دون أن يشك به أحد، وهذا ما حصل بالضبط، ولكن قبل ذلك سجنه وحرمه من رؤية الناس.

ورط جابر نفسه في تلك المعمعة مقابل وعود وأموال كثيرة ومقابل زواجه من زمرد التي يحبها، لكن تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح لأن الوزير ابن “العلقمي” كتب في نهاية رسالته:” اقتل حامل هذه الرسالة بعد الانتهاء من قراءتها”

مع نهاية هذه الشخصية تتبدى فرادة الكاتب الكبير سعد الله ونوس وذلك “الجابر” الذي ظن نفسه عبقري زمانه قد وضع نفسه في فم الحوت، وهو في هذا النص المستوحى من حكايات ألف ليلة وليلة يشير إلى فئة من الناس التي تدخل نفسها في صراع لا تدري ما هو طبيعته، وجابر المستهتر لم يكن خائفاً مما يحيط به، وغلب مصلحته على كل اعتبار، مع العلم أن بغداد العظيمة كانت ترتخي أمام قبضات الغزاة.

” نمشي الحيط الحيط” و”من يأخذ أمنا يصير عمنا” وغيرها من الأمثلة العامية الدارجة ليست سبلاً وطرقاً للخلاص كما يعتقد من يمارسونها فعلاً فوق دروب هذه الحياة، والخلاص لا يكون فردياً بل هو عمل جمعي يطرق أبواب الواقع المتهرئ والمهلهل، ولكن ماذا سنقول لجابر وكيف نرده وقد ركب رأسه؟

تطرقنا إلى ذلك في وقت كثر فيه “الجوابر” الذين رهنوا أنفسهم وباعوها للمال وهم يظنون أنهم أذكياء، وقد اشتغلت ذات مرة ممثلاً في هذا العمل المسرحي وكانت قصديتنا من هذا الاستعراض أن نقول لمن لا يدري : “لا تكن جابر” الذي قتل عند الانتهاء من استعماله، أما بالنسبة للعنوان الفرعي الذي ورد في مادتنا ونقصد “مشطو يا شلبي” فهي أغنية شعبية كانت تردد في الأرياف أثناء الطهور، أو لبس العريس، أو حلاقته، وغير ذلك.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى