نوافذ

لا مكان للوعود

اليمامة كوسى

وجدتُ في الآونة الأخيرة بأنني لا أكتب إلّا عندما أشعر، ويبدو لي بأنّ اندلاعَ المشاعر يكون على أشدّهِ حول خيامِ الأمكنة الجديدة؛ ولهذا السبب كان على كلماتي أن تجدَ لها مخرجاً من قلبِ مكان جديد مُترَع بتفاصيلٍ لم يسبق لي أن عاينتها من قبل.

الساعة كانت تشيرُ للرابعة فجراً؛ ليلٌ ثقيلٌ فرد أجنحتهُ على المكان ببرودٍ صارم؛ لم يكن يشبه ليالي البيوت المطمئنّة في شيء، ومضاتٌ متتالية وأصواتٌ ذاتُ إيقاع ثابت تصدر باستمرار من شاشات المونيتورات وأجهزة المنافس العنيدة التي تُصرّ على السّهر رغم إرهاقِ أصحابها.

ليس للصمت هناك أي معنىً من المعاني المعتادة، فهو ليس غياباً للصوت، بل فائضاً منه، صمتٌ يشغلُ ما تبقّى من المكان، يتسلّل بين الأسرّة المتجاورة، ويجلسُ على حوافّ القلوب هامساً في آذان أصحابها: العجز البشري جزءٌ من طبيعتكم، لا عيبٌ من عيوبكم.

تسألون عن أصحابها؟! ولكن كيف لي أن أصفهم دون أن تتكسّر الحروف؟!  كائنات هشّة إلى أبعد حدّ يجدون في أخذ أقلّ الأنفاس مهمّة شاقّة ينتزعون فيها الهواء انتزاعاً من وسائل الدعم التي تحيطهم. ترى أغلبهم شاخصين في الفراغ متعلّقين بالخيط الأرفع الذي يفصل ما بين الوجود والعدم. إنّ أولئك المرضى بالذات والذين لا يقوى غلاسكو على منحهم درجة الصفر فيعطيهم بضع درجات هزيلة على سلّمه، هؤلاء هم مَن غيّروا في داخلي الكثير.

عندما يسألني مرافقوهم وهم يوارون دموعهم في مآقَيهم أسئلةً من قبيل: “إيمتى بدها تفيق؟”، “يعني خلص ما في أمل؟!”، “الله يخليكِ دكتورة قليلي ممكن يعيش، ما فيني اتقّبل فكرة انه يموت!” وغيرها من الأسئلة الكثيرة النازفة التي لا تبحث عن إجابة بعينها بل عن شيء يتمسّكون به لكيلا يسقطون، تبحث عن مرسوم تأجيلٍ للحقيقة الصادمة، عن حلٍّ لكيفيّة قدرتهم على العيش بعد الغياب. لا أستطيع عندها سوى أن أحيك كلماتي بأرفع خيوط الإنسانية والتعاطف وأقول لهم الصدق دون أية شوائب تزيّفُه.

نعم لا تستغربوا، أستطيع القول بأنّ تعاملي مع هذه الفئة من المرضى علّمني أن أعدّل مبدأي القائل بأنّ زرع الأمل والتفاؤل في النفوس فضيلة أخلاقية، ليصبح بنفس البداية لكن بتتمّة جوهريّة تقول: “عندما تكون التربة التي سينبت فيها ذلك الأمل قادرة على تحمّل بذوره”. ففي العناية لا يكون الأمل عزاءً، إذ ليس لديه تربة يُزرع فيها، وإنما يكون آلاماً مؤجّلة، غالباً ما تكون مضاعفة. ولهذا يصبح الصدق هناك بمثابة شجاعة لا قسوة، ويصبح اختيار الكلمات بعناية من أصعب المسؤوليات التي يمكن أن يتحمّلها المرء وهو يشهد مدى هشاشة الإنسان ويراقب معركته الأخيرة ما بين الجسد والزمن.

إذاً أنا أمام تلك الفئة من مرضى القسم لم آتِ لأنتصر على الموت، بل أتيتُ لأقف، لأقف فقط. لأقف قرب حياة ترتجف، ترتجفُ بجسدها الذي يتضاءل ببطء وبروحها التي لا أعلم إن كانت تستعدّ للبقاء أم للرحيل، أقفُ بجانبها في أكثر لحظاتها وحدةً وأكون لها رفيقةً صادقة. أقف دون وعود، دون خطابات، دون أوهام نبيلة. أقف وأشهد بأنّ الألم حقيقي، وأنّ الضعف ليس عيباً، وأنّ هذه الحياة -رغم انكسارها- تستحقّ منّا كلّ الاحترام والحبّ.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى