لمن يكتب الكاتب

 

ما معنى أن يبادر أحد الكتاب حين يسألونه : لمن تكتب ؟ أن يجيب: إنني أكتب للأجيال المقبلة!

يعني هذا الجواب إستخفافاً ضمنياً بالبشر الذين يعيشون في عصر الكاتب وهنا لا يسعنا أن نتجاهل الإعتراض الذي يتبادر إلى الأذهان أن الكاتب يهتم بالأجيال المقبلة لأنه صاحب دور طليعي بالضرورة ولهذا فهو يضمر إهتماماً خاصاً يعكس بشكل خاص جداً نواياه في نقل الأجيال الحاضرة  خطوات واسعة نحو مستقبل جديد.

هذا الإعتراض لا يخلو من صواب غير أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لترجمة طموح الكاتب ، فحين تعجز الأجيال الحاضرة عن التجاوب مع هذا الكاتب لسبب ما يتصل مثلاً بالشكل  حيناً أو بالمضمون فلا شك أن هذا الكاتب يغامربالإنقطاع عن أهل زمانه، وعندئذ يبدو أن الضمان الوحيد للإحتفاظ بالاتجاه السليم تبقى متروكة للمصادفة او لعوامل أخرى تتعلق بأهل زمان الكاتب، ذلك أن العلاقة الصحيحة بينهما علاقة جدلية فبقدرما يؤثر الكاتب في الناس فإنه يتأثر بهم، وبقدرما يلعب دور الرائد الموجه فإنه يلعب في الوقت ذاته دور المستلهم الموجه –  بفتح الجيم  – وحين تضعف العلاقة بينهما أو تنقطع أحياناً  فمعنى ذلك بالضرورة أن كل طرف بين الكاتب والبشر يخضع لشروطه الخاصة، وأن الإنسجام بينهما ليس ضرورة حتمية وفي هذا المعنى يقول الفيلسوف الإسباني الأصل سانتيانا : ” ليس من سبيل أمام الفنان اليوم لتجنب خطر الوقوع في رتابة العناصر الفنية الأكاديمية من جهة و إنحرافات الإتصال بالطبيعة وتجديد هذا الإتصال يوماً بعد آخر. ”

ليس التجديد في الفن إذن أن نخترع لغة جديدة قد لا يفهمها الناس وإنما أن نستخدم لغة الناس إستخداماً صحيحاً. إن الناس تحت وطأة صراعاتهم الحياتية اليومية يتعرضون لتشويهات روحية عميقة وبالتالي يستخدمون لغتهم بشكل مشوه أكثر فأكثر وحين نعود بهم إلى منابع النطق السليم فإنما ننقذ ألسنتهم وبالتالي أرواحهم . وفي عملنا هذا لا نخترع لهم لغة جديدة بل نعلمهم كيف يستخدمون لغتهم الأصلية . و تحت تأثير هذا المنطق كتب برنارد شو مسرحيته الشهيرة: ” سيدتي الجميلة ” فحين راهن عالم اللغة – في تلك المسرحية – بإنقاذ فتاة الشارع المشوهة أخلاقياً و نطقاً عن طريق تدريبها على النطق السليم كمخارج الحروف والألفاظ فإنه كان يعني أن العودة وحدها إلى منابع اللغة قادرة لا على إنقاذ لسان الفتاة بل على إنقاذ روحها و هذا ما حصل فعلا في ختام المسرحية .

إن الفنان إذن يقبل على الناس كمن يريد أن يقول : هذه لغتكم أعيدها إليكم كما يجب أن تكون لا كمن يقبل عليهم صائحا بهم : دعوا لغتكم جانباً وخذوا هذه اللغة الجديدة .. عندما يضع الفنان في ذهنه هذه الحقيقة فإنه ينقذ نفسه بقدرما يسهم في إنقاذ الأخرين ، وعندئذ فقط يستطيع أن ينطلق في طرقات التجديد المتشعبة وهو آمن أنه لن ينقطع من صلته بالناس والحياة.

كتب مرة أحد عمال المناجم رسالة إلى شاعر معروف يقول له فيها : ” أنا لا أعرف ما هو الشعر ،  لكنني حين مسحت عن وجهي هبات الفحم ثم عدت إلى البيت مع المساء فاغتسلت جيدا و لبست ثياباً نظيفة ثم حملت طفلي الصغير و خرجت به إلى الشرفة، كانت السماء بملايين النجوم التي تبرق فيها تبدو مثل قاعة كبيرة تحتفل بمهرجان ، و لم يكن ثمة أصوات غير تلك الأصوات المبهمة الصاعدة من المنازل التي يستعد أصحابها للعشاء أو السهر أو النوم . كانت صحتي جيدة وصحة طفلي كذلك وعندئذ لا أدري لماذا شعرت أنني سعيد للغاية و أنه يجب أن أكتب لك ..”

و عندما رد الشاعر برسالة خاصة إلى ذلك العامل كانت أول جملة في رسالته تقول : ( ياإلهي .. أنت لا تعرف ما هو الشعر .. و لكن ما كتبته لي هو الشعر نفسه ..))..

نعم هذا هو الشعر ، و هذا مطلع قصيدة للشاعر الفرنسي :” جان بييرفودي

عنوانها :” ربيعك “Jean Pierre Voidy

الطقس جميل جداً

حتى أنه لمن المستحيل

أن يقال فيه شعر

كان الشعر

هو الطقس نفسه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى