
ما سبب التخلّي الأميركي غير الكامل عن المشروع السياسي الكردي في سوريا، وتحجيمه إلى مستوى إدارة محلية موسّعة، مع الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لكرد سوريا فقط؟
تتابعت الأحداث في منطقة الجزيرة السورية بعد انسحاب قوات “قسد” السريع من مناطق واسعة، وانحصارها في محافظة الحسكة من حدود المدينة وصولاً إلى القامشلي والمالكية شمالاً. وتُوِّج ذلك بقبول “اتفاق 18 كانون الثاني/يناير”، الذي يمنح ما تبقّى من مناطق سيطرة “قسد” شكلاً من الإدارة المحلية الموسّعة إلى أجل غير محدَّد المعالم، رهناً بنتائج الصراع الدولي الذي لم ينتهِ بعد. الأمر الذي يدفع للتساؤل: ما سبب التخلّي الأميركي غير الكامل عن المشروع السياسي الكردي في سوريا، وتحجيمه إلى مستوى إدارة محلية موسّعة، مع الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لكرد سوريا فقط؟
افتراق المصالح الأميركية-الإسرائيلية
تختلف رؤية واشنطن لمستقبل سوريا ككيان سياسي موحّد عن الرؤية “الإسرائيلية”. فحسابات “تل أبيب” تنطلق من أولوياتها الإقليمية بعد معركة “طوفان الأقصى”، وما تعتبره إنجازاً ينبغي ترجمته في سباق مع الزمن لتثبيت واقع جيوسياسي مستجدّ. واقع يمنحها فرصة الهيمنة على كامل منطقة غرب آسيا، انطلاقاً من عملية تفكيك سوريا كبوابة لتفكيك كل من العراق وتركيا وإيران ومصر والسعودية.
أما الرؤية الأميركية فتتعلّق بنظرتها إلى سوريا كجزء من استراتيجية أعظم. فقد انخرطت واشنطن بشكل مباشر في الحرب السورية بعد عام 2014، انطلاقاً من التهديدات الاستراتيجية لصعود قوى آسيوية ناهضة تهدّد مكانتها كقطب مهيمن وحيد. الأمر الجوهري بالنسبة لها هو الحفاظ على تدفّق الإنتاج العالمي إليها، وضمان بقاء “الدولار” كعملة وحيدة للتبادل التجاري العالمي، حيث إنّ قيمته الأساسية مستمدّة من الهيمنة العسكرية الأميركية.
وتحتاج الولايات المتحدة للانتقال في صراعها مع كلّ من الصين وروسيا إلى إغلاق الممرات البرية والبحرية لكلا البلدين، لإفشال “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، ومشروع “شمال-جنوب” الروسي. وكلا المشروعين مرتبطان بإيران، التي تعتبر قلب آسيا وعقدة الوصل بين دول آسيا الوسطى وروسيا من جهة، والمحيط الهندي وبحر عُمان والهند من جهة أخرى، كما تشكّل نسبة 40% من مشروع الربط البري والبحري للصين مع غرب آسيا وأوروبا وأفريقيا.
العامل الآخر الذي تحتاجه واشنطن هو ضمان أمن “إسرائيل”، وهي تدرك أنّ نتائج عملية “طوفان الأقصى” لم تنتهِ بعد. فحجم التصدّع الوجودي في المجتمع “الإسرائيلي” بلغ مستويات مقلقة، مع هجرة عكسية كبيرة تجاوزت 500 ألف مستوطن وفق تقديرات داخلية، خاصة من النخب العلمية والاقتصادية. وهذا ما دفع الولايات المتحدة للتركيز على ضرورة إقصاء إيران من كامل المشهد السياسي-العسكري في منطقة غرب آسيا، مما سيؤدّي إلى انقطاع الدعم اللوجستي لحركات المقاومة في فلسطين وكامل المنطقة.
العامل التركي: الورقة الحاسمة
تشكّل تركيا أهمية قصوى للولايات المتحدة بقيمتها الجيوسياسية المحورية بين الشرق والغرب، وامتدادها الديموغرافي والثقافي والديني إلى دول آسيا الوسطى المتاخمة لروسيا والصين والمحيطة بإيران شمالاً وشرقاً، وصولاً إلى إقليم شينجيانغ في شمال غرب الصين، والداخل الروسي حيث تشكّل الإثنيات التركية نحو 14% من سكان روسيا. هذا عدا عن أهميتها الحيوية في البحر الأسود وسيطرتها على ممراته، وكونها القوة العسكرية الثانية في حلف الناتو. كلّ ذلك جعلها أولوية في السياسة الأميركية، حيث إنّ خسارتها تعني مزيداً من الانزياح التركي نحو الشرق بعيداً عن الغرب.
استطاعت تركيا أن تستفيد من أوراق قوتها للضغط على الإدارة الأميركية، مع الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع روسيا والصين وإيران. وهي قلقة من احتمال تفكيكها وفقاً للمشروع “الإسرائيلي” المتمثّل بإقامة “ممر داوود” مع قوات “قسد”، الذي يهدّد أمنها القومي ووحدة أراضيها انطلاقاً من جنوب شرقها. ما جعلها تمارس ضغوطاً كبيرة على واشنطن لإنهاء المشروع السياسي الكردي في سوريا، ولا يغيب عن ذلك طبيعة العلاقة الشخصية الإيجابية بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان والأميركي دونالد ترامب.
العامل السعودي: التحرّك الاستباقي
أدرك القادة السياسيون للمملكة العربية السعودية بعد “طوفان الأقصى” أنّ منطقة غرب آسيا ذاهبة إلى هندسة جديدة لجغرافيتها السياسية، خاصة بعد التصريحات “الإسرائيلية” الواضحة لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي رسم خارطة جديدة تعتبر فيها السعودية “الجائزة الكبرى” وآخر محطة لعمليات التفكيك وإعادة الهندسة.
هذا الأمر دفع ولي العهد محمد بن سلمان إلى اتخاذ موقف متصلّب برفض التطبيع إلّا بعد حلّ القضية الفلسطينية المستند إلى حلّ الدولتين، ورفض الحرب على إيران خشية الإخلال بالتوازن الإقليمي، وإفشال مشروع تفكيك سوريا التي تعتبر الخط الأول للدفاع عن السعودية والمنطقة، والحرص على وحدة الأراضي السورية. فكان تبنّيها لموقف دمشق واضحاً، مقابل منح أيّ شرعية عربية لقوات “قسد”.
استطاعت الرياض، بما تملكه من أوراق قوة مؤثّرة على القرار الأميركي، أن تضغط بقوة وساهمت بشكل كبير في حسم الموقف الأميركي حول مستقبل سوريا: الحفاظ على وحدتها وسيادتها المركزية المخفّفة مستقبلاً، والبقاء ضمن النظام العربي. وهذا لا يمكن أن يتمّ إلّا على حساب المشروع السياسي الطموح للكرد في سوريا.
هل انتهت “قسد” والقضية الكردية في سوريا؟
يُظهر الاتفاق بين دمشق و”قسد” تحجيماً كبيراً للمشروع السياسي الكردي، ولم يبقَ سوى دور شكلي محدود ضمن أولويات الإدارة الأميركية الحالية، في انتظار تطوّرات الصراع مع إيران.
فسقوط النظام السياسي في إيران أو تفكيكه قد يمنح كرد إيران حكماً ذاتياً، مما قد يفتح الباب مستقبلاً لإقليم كردي في سوريا، ولكنّ الدور فيه سيكون للبرزانيين في أربيل – الذين يشكّلون أهمية كبرى لتركيا – وليس لحزب العمال الكردستاني الذي فقد ورقة سوريا الكبرى.
ملاحظات ختامية
- لم يفاجئ القرار الأميركي الباحثين السياسيين غير المؤدلجين، فالولايات المتحدة لم تقدّم وعوداً رسمية مباشرة بدعم أيّ كيان سياسي منفصل في سوريا.
- الأولوية الاستراتيجية لواشنطن هي صراعها مع الصين وروسيا وإيران. وأصبح مشروع “قسد” يشكّل عبئاً استراتيجياً في المرحلة الحالية، بعد أن أدّت الوظيفة المطلوبة منها.
- الأولوية الأميركية هي لإرضاء تركيا والسعودية، حتى لو كان ذلك على حساب طموحات “تل أبيب” المتعارضة معهما في الملف السوري.
- الرهان على الولايات المتحدة و”إسرائيل” رهان خاسر، فليس هناك حلفاء دائمون أمام المصالح الأمنية والاقتصادية المتغيّرة، وهذا ما أدركته معظم دول المنطقة، التي توسّع هامش حركتها ببناء تحالفات متعدّدة بديلة.
الميادين نت



