معارك كثيرة ينبغي على الدولة السورية الجديدة أن تخوضها، لتحقق سيطرتها الكاملة على البلاد، وتنتقل إلى تنفيذ مشروعها السياسي الكامل الذي يفترض أن يكون نقيضا لمشروع النظام البائد.
تبدأ هذه المعارك بمعركة توحيد الأراضي السورية، وتشبيكها تحت راية دولة واحدة وبرلمان واحد وحكومة واحدة وجيش وطني واحد، وتنتهي بمعركة إعادة البناء على صعيد الاقتصاد والإعمار .
معركة توحيد الأراضي السورية تتصدر الواجهة منذ اندلاع أحداث الساحل، وكأن هذا النوع من الحروب الصغيرة هو شرط لابد منه لتحقيق السيطرة الكاملة، أو أن من يدعي تمثيل كل مكون لايجد أمام إلا هذا الخيار.
وفي الأيام الأخيرة حطت الحرب في حلب، وكانت المعركة هناك متوقعة، حيث لم تنتج المفاوضات مع قسد أي حل سحري، نظرا لخلاف استراتيجية تتعلق بشكل الدولة وملكية الثروات وتمسك قسد بكتلتها العسكرية.
وما حصل في حلب هذه المرة، يعتبر انعطافا في سياسة الدولة السورية، ومؤشرا على الصبر الطويل والاستخدام الأفضل لأدوات الصراع التي استخدمت في أماكن أخرى، فقوات الجيش تتجنب التصعيد لآخر نفس وتسعى لتقديم الصورة الحقيقية لما ينبغي أن يكون عليه الجيش.
وفي التدقيق في معركة حلب يمكن ملاحظة مجموعة عوامل من أبرزها، أن المعركة لم تترك آثارا كارثية على الأرض سواء على صعيد المدنيين أو العسكريين، مع احرامنا لقيمة أي نقطة دم سقطت ، ولم تفتح على مجازر كنا نخاف وقوعها، كما أنها لم تتجه إلى إشعال حرب واسعة (أهلية كما كان متوقعا من بعض المحللين)، فقد كان التفاوض مفتاحا ناجحا لوقف المعركة، وكانت القوات الأمنية تتكاتف مع الجيش لحماية المدنيين وعدم السماح بفوضى تؤدي إلى كوارث شبيهة بأحداث الساحل أو السويداء.
ومن هذه العوامل دخول العامل الإقليمي والدولي على الأرض لصالح وحدة الأراضي السورية، بعكس السويداء التي كان للعامل الإقليمي دورا تصعيديا أثار الكثير للأحقاد ، والذي يحاول الآن فرض ظلاله عبر تصريحات لبعض مسؤوليه.
ونجحت الدولة أيضا في منع التدخل في المعركة من قبل قوى مؤيدة لها ، فاكتفت بقوات الأمن العام والجيش، وقد علمنا أن موجات دعم أهلية أوقفت عن المشاركة خشية حصول نتائج كارثية.
بمعنى آخر، عاد الحل السياسي والتفاوضي إلى الواجهة، وتركت معركة حلب إشارات تنبه إلى إصرار الدولة على السيطرة، واتباع تكتيكات متنوعة من أجل تحقيق أهدافها أهمها قيامها بحماية السكان والدعوة إلى وحدة البلاد.
هذا يعني أن بالإمكان تجنب الكوارث في الصراعات غير المحسومة، وأن بإمكان القوى الاقليمية والدولية مساعدة الدولة السورية على الإسراع بإنجاز مهام المرحلة الانتقالية من دون التفريط بوحدة سورية أرضا وشعباً.
بقيت نقطة واحدة، هل انتهت مخاطر الحرب بهذه الجولة ؟ لا أبدا .. الحرب دائما تحيط بالجميع ، طالما أنها شكل من أشكال التفاوض، وعلى القوى التي تعمل تحت اسم المكونات السورية مراجعة أسلوبها وسياستها واتباع لغة التفاوض والحوار مع الدولة حتى لو أدى ذلك إلى تنازلات ، لكنه ينقذ البيدر السوري من الحريق .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



