بلا حدود

مقارنة جيل القرن العشرين الورقي بجيل القرن الواحد والعشرين الرقمي: تحوّل المعرفة وأدوات الوعي

ماهر المملوك

تفرض المقارنة بين جيل القرن العشرين وجيل القرن الواحد والعشرين نفسها بوصفها ضرورة فكرية ومعرفية لفهم التحولات العميقة التي شهدها الإنسان المعاصر، لا سيما في مجال إنتاج المعرفة وحفظها وتداولها. فالفارق بين الجيلين لا يُقاس فقط بالزمن، بل يمتد ليشمل اختلافًا جوهريًا في أدوات التفكير، ووسائل التعلم، وأنماط التفاعل مع المعلومة، في ظل تطور تكنولوجي متسارع أعاد تشكيل البنية المعرفية للعالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

نشأ جيل القرن العشرين في بيئة يمكن وصفها بالورقية بامتياز ،حيث كانت الكلمة المكتوبة على الورق هي الوعاء الأساسي للمعرفة، والمرجع المعتمد للتوثيق، والوسيلة الأهم لنقل الخبر والمعلومة.

شكّلت الكتب، والصحف، والمجلات، والوثائق الرسمية حجر الأساس في الحياة الثقافية والإدارية والتعليمية. وكان الوصول إلى المعرفة يتطلب جهدًا واعيًا، يبدأ بالبحث وينتهي بالتأمل، ما أسهم في ترسيخ علاقة عميقة بين القارئ والنص، قائمة على التدرج، والتحليل، والحفظ طويل الأمد.

في هذا السياق، لعبت الأرشفة الورقية دورًا محوريًا في تنظيم شؤون الدول والمؤسسات. فقد كانت الوثيقة المكتوبة تُعامل بوصفها مرجعًا قانونيًا وتاريخيًا لا غنى عنه، يُحفظ بعناية في أرشيفات رسمية، ويخضع لمعايير دقيقة في التصنيف والتوثيق. ورغم محدودية الإمكانات التقنية آنذاك، إلا أن هذا النظام أسّس لثقافة مؤسسية قائمة على الانضباط، والمسؤولية، والدقة في حفظ الذاكرة الجماعية.

على النقيض من ذلك، وُلد جيل القرن الواحد والعشرين في قلب ثورة رقمية شاملة، جعلت من التكنولوجيا الرقمية الإطار الناظم للحياة اليومية. فقد تحولت المعلومة من مادة نادرة إلى مورد متاح على مدار الساعة، وانتقلت المعرفة من الرفوف الورقية إلى الفضاء الافتراضي. وأصبحت قواعد البيانات الرقمية، والمنصات الإلكترونية، ومحركات البحث، أدوات أساسية في التعليم والعمل والبحث العلمي.

أحدث هذا التحول الرقمي نقلة نوعية في مفهوم الأرشفة، حيث لم يعد الحفظ مرتبطًا بالمكان أو المادة، بل بالأنظمة الذكية والخوادم السحابية. وقد مكّن ذلك من تخزين كميات هائلة من البيانات، وإدارتها بكفاءة عالية، واسترجاعها في وقت قياسي. كما أسهمت الرقمنة في توحيد المعايير، وتسهيل الوصول إلى الوثائق، وتعزيز التكامل بين المؤسسات على المستويين المحلي والدولي.

أما في مجال القراءة، فقد شهد المفهوم ذاته إعادة تعريف. فبينما ارتبطت القراءة في القرن العشرين بالفعل الفردي الهادئ، والكتاب الورقي، والزمن الممتد، أصبحت القراءة في القرن الواحد والعشرين أكثر تفاعلية وسرعة، ومتعددة الوسائط. إذ لم يعد النص منفصلًا عن الصورة أو الصوت، بل أصبح جزءًا من منظومة معرفية متكاملة تُقدَّم عبر الشاشات الذكية. وقد أتاح ذلك انتشار المعرفة على نطاق عالمي غير مسبوق، وساهم في democratization المعرفة، بحيث لم تعد حكرًا على النخب أو المؤسسات الأكاديمية.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الديمغرافي العالمي، حيث تجاوز عدد سكان العالم ثمانية مليارات إنسان، ما فرض تحديات هائلة في مجالات التعليم، والصحة، والإدارة، والأمن، والخدمات العامة. في هذا الإطار، جاءت التكنولوجيا الرقمية لتؤدي دورًا محوريًا في خدمة الإنسان، من خلال تسريع الإجراءات، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع نطاق الاستفادة منها. فقد أصبحت النظم الرقمية ركيزة أساسية في إدارة المدن، وتقديم الرعاية الصحية، ونشر المعرفة، وتعزيز التواصل الإنساني.

ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، دخل العالم مرحلة أكثر تقدمًا في التعامل مع المعلومات. إذ لم تعد التكنولوجيا تقتصر على تخزين البيانات أو نقلها، بل باتت قادرة على تحليلها، والتنبؤ بالأنماط، ودعم اتخاذ القرار. وقد انعكس ذلك إيجابًا على مجالات البحث العلمي، والتخطيط الاستراتيجي، والتشخيص الطبي، وإدارة المخاطر، ما عزز من قدرة الإنسان على فهم الواقع المعقّد والتعامل معه بفعالية أكبر.

مايهمنا الاشارة اليه في هذا المقام هو ، إن المقارنة بين جيل القرن العشرين الورقي وجيل القرن الواحد والعشرين الرقمي لا تهدف إلى المفاضلة أو إصدار أحكام قيمية، بل تسعى إلى قراءة مسار التطور الإنساني في علاقته بالمعرفة. فالأول أسّس لثقافة معرفية عميقة ومنهجية، بينما جاء الثاني ليطوّر تلك الثقافة مستخدمًا أدوات رقمية متقدمة وسّعت من آفاقها ورفعت من سرعتها وانتشارها.

وبين الورق والرقمنة، تتجلى قصة الإنسان في سعيه الدائم لتطوير أدواته، وتنظيم عالمه، وتسخير العلم والتكنولوجيا لخدمة حاضره ومستقبله.

بوابو الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى