تحليلات سياسيةسلايد

مقتلة المغازي: ركام غزة يُغرق العدوّ

بيروت حمود، يوسف فارس

خرج المقاوم من فتحة النفق التي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن الخط الحدودي شرقي مخيم المغازي في المنطقة الوسطى لقطاع غزة. هدفه الأساسي، هو دبابة «الميركافا». أطلق قذيقة واحدة مضادّة للدروع، وقبل عودته، تنبّه إلى وجود عشرات الجنود المتحصّنين في أحد المنازل، فأعطى إشارة إلى رامٍ آخر، بأن يسارع إلى صيد الفريسة. خرج الثاني من فتحة النفق، وأطلق قذيفة فراغية مضادّة للحصون الإسمنتية، تجاه مجموعة من جنود قوة الهندسة فرغت لتوّها من تفخيخ منزلين متلاصقين. عندها، دوّى انفجار مهول، ثم آخر، ليُدفن العشرات من الجنود تحت ركام المنازل التي جاؤوا لهدمها.

 

هذا المشهد المتوقّع للحدث، رواه لـ«الأخبار» مصدر مقرّب من المقاومة، فيما قالت «كتائب القسام»، في بيان رسمي، إن أحد مقاوميها أطلق قذيفة «الياسين 105» على الدبابة، قبل أن يتمكّن رفاقه من تفجير حقل ألغام مُعد سلفاً، ما تسبب بمقتل العشرات من الجنود.

حتى مساء الإثنين، كان الحدث «الأمني الصعب» أو «الكارثة»، وفق توصيف الإعلام الإسرائيلي، طي الكتمان، غير أن عدد القتلى الكبير، والخشية من تقديم الإعلام العسكري التابع لـ«القسام»، في وقت لاحق، توثيقاً مصوّراً لكل المراحل العملية المركّبة، أجبرا المراسلين العسكريين في وسائل الإعلام العبرية على تهيئة الجمهور لتلقي الأخبار السود.

وعقب ذلك، أعلن المتحدث باسم جيش العدو، صباح أمس، مقتل نحو 24 ضابطاً وجندياً من لواء الهندسة، لتقوم عندها القيامة في حسابات التواصل الاجتماعي التابعة للمستوطنين، ثم في الصحف العبرية الرسمية.

غير أن حصيلة القتلى والإصابات، أكبر بكثير مما نشره العدو؛ إذ تقدر مصادر في المقاومة أن نحو 35 جندياً سقطوا بين قتيل وجريح في الحدث. وفي السياق نفسه، ذكرت مصادر صحافية في الداخل المحتل أن جيش الاحتلال لم يعترف بمقتل أربعة جنود من العرب، اثنان منهم من قرية رهط، وآخران من دروز قرية دير الأسد.

في القراءة العسكرية للحدث، فإن جيش العدو كان يتصرف في المنطقة المحاذية للشريط الحدودي، بأعلى مستوى من التلقائية والأمان؛ إذ لم يتوقع أن يصل المقاومون إلى ذلك الحيز المكاني الطرفي، فيما الدبابات تتواجد فعلاً في مناطق أكثر عمقاً.

غير أن ما لم يكن حاضراً في حساباته، هو أن الخطوط الدفاعية، على طول الخط الشرقي لقطاع غزة، لم يطاولها حجم التدمير الذي أصاب الخطوط العميقة، التي استُهدفت بالمئات من الغارات والأحزمة النارية، إذ إن النسق الذي سارت عليه العملية البرية منذ البداية، حاذر التقدم من الجهة الشرقية التقليدية، واقتحم معظم مناطق القطاع من مسارات مستحدثة، أكثرها من الخط الساحلي الغربي للمدينة.

في المناطق الشمالية من غزة، استقبل آلاف النازحين في مراكز الإيواء الحدث بالتكبير والتهليل، فيما أصبحت العملية الكبرى حديث الشارع، إلى حدّ يمكن معه القول إن عشرات الآلاف من النازحين تلقّوا دفعة معنوية هائلة، أشعرتهم بأن استمرار المعارك على هذا النسق، بعد أكثر من 109 أيام من القتال، يعني أن أهداف العدو الكبرى، في طريقها إلى التبخر.

أما في إسرائيل، فكان الحديث عن يوم «أسود وكارثي»، والحدث «الأسوأ منذ بدء الحرب»، والذي فتح نافذة الأسئلة حول ما إن كان الجيش يتعلّم من الأخطاء الميدانية، أم أن المقاومة هي التي تدرس العدو بشكل جيّد وتستفيد من نقاط ضعفه وأخطائه.

وفي هذا الإطار، اعتبر المحلّل العسكري لصحيفة «معاريف» طال ليف رام، أنه كلّما مرّ الوقت، «يدرس العدو (المقاومة) الجيش أكثر، فيما قوات الأخير تتآكل، وبذلك تتعاظم احتمالات وقوع حوادث صعبة جداً مثلما حدث في مخيم المغازي»، لافتاً إلى أن الحدث الكارثي الأخير «يثبت مخاطر حرب العصابات التي تقودها حماس؛ إذ إن خلية صغيرة من بضعة مقاتلين نجحت في إصابة جنود الجيش، في أرض بعيدة عن خط القتال الدائر، وفي خضمّ مهمة روتينية تُنفذ لاعتبارات أمنية في موقع قريب جداً من الشريط الفاصل» بين القطاع وبقية الأراضي المحتلة.

والجدير ذكره، هنا، أن القوات المستهدفة كانت تستكمل العمل على إنشاء منطقة أمنية عازلة من المفترض أن تصبح خالية من السكان والأبنية وحتى الغطاء النباتي، وذلك في إطار الإعداد لـ«اليوم التالي» للحرب.

وفقاً لليف رام، «سيفحص الجيش في تحقيقه جملة أمور، بينها ما إن كانت الدروس المستفادة من حوادث سابقة تُطبق أم لا؟ ولماذا تواجد كل هذا العدد من الجنود في المبنييْن في الوقت نفسه؟ ولماذا لم تكن المنطقة المحيطة بهما مطهّرة؟ وكيف بالإمكان الفصل بين القوات التي تؤمّن العمليات، وقوات الهندسة التي تجهّز التفجيرات».

وأعادت الحادثة إلى الأذهان «كارثة البريج»، والتي قُتل على إثرها ستة جنود مطلع الشهر الجاري، بعدما أطلقت دبابة إسرائيلية قذيفة «أصابت عَمود كهرباء»، ما أدى إلى تفجير عدد من الألغام التي زرعها الجيش في أحد الأنفاق.

وبالرغم من أن هذه الحوادث «نادرة جداً»، وفقاً للمحلل العسكري، فإن «الثمن جراء كل منها كبير جداً»، علماً أن جيش الاحتلال فجّر عدداً كبيراً من الأبنية بهذه الطريقة، من أجل تهيئة المنطقة العازلة، بحيث لا يعود هناك مبنى واحد يُطل على مستوطنات «غلاف غزة» خصوصاً تلك التي لا تبعد سوى مئات الأمتار إلى كلم واحد عن الشريط الفاصل.

لكن ليف رام تساءل: ألم يكن من الأفضل تفجير المبنى من الجو ومنع تعريض حياة المقاتلين للخطر؟ ليجيب بأن «التجربة أثبتت أنه في غالبية الحوادث، فقط التواجد الفيزيائي في المكان من شأنه أن يدمّر البنى التحتية الإرهابية نهائياً، وخصوصاً في الأماكن التي فيها أنفاق. فالقصف الجوي يؤدي في غالب الأحيان إلى تدمير المباني ولكن لا يدمر القاعدة التحتية»، فيما اعتبر معلّق الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يوسي يهوشواع، أن ثمة سبباً آخر يُضاف إلى ما سبق، وهو أن القصف الجوي، فضلاً عن كونه لا يفلح في تدمير الأنفاق، يُعد مكلفاً من الناحية المادية، بالمقارنة مع تفجير المباني بواسطة تفخيخها.

من جهته، تطرّق المراسل العسكري، رون بن يشاي، إلى ما سماه «اليوم النازف»، معتبراً أن حوادث كهذه من شأنها أن «تضر بالشرعية التي يمنحها الجمهور الإسرائيلي للحرب»، لافتاً، في تقرير في موقع «واينت»، إلى أنه «ينبغي أن يؤخذ ذلك في الاعتبار أيضاً عند اتخاذ قرار بشأن استخدام كميات هائلة من المتفجرات بالقرب من مقاتلينا، والتأكد من ابتعاد أولئك الذين لا يُعدّ تواجدهم ضرورياً في موقع الانفجار، وعدم وصل الصواعق التفجيرية إلا بعد الانتهاء والتأكد من أن الغالبية العظمى من الأفراد لم تعد متواجدة في المحيط». واعتبر أن «مأساة خسارة 21 جندياً في حدث كهذا لن تذهب سدى إذا ما تعلّم الجيش الدروس مما حصل، وغيّر من الإجراءات».

وفي التفاصيل التي أوردها الموقع، فإن عدداً من جنود الاحتياط من اللواء 261، توجّهوا في مهمة لتفجير المباني في المنطقة العازلة بالقرب من السياج الحدودي جنوبي غزة، وتقدّموا لمسافة نحو 600 متر في منطقة مخيم المغازي مقابل مستوطنة «كيسوفيم»، وذلك بهدف تفجير عشرة مبانٍ متعددة الطوابق بواسطة ألغام تزرعها الفرق الهندسيّة.

وفي خلال ذلك، أطلق مقاوم صاروخاً مضاداً للدروع على دبابة كانت تؤمّن العملية، ما أدى إلى مقتل جنديين فيها، فيما أطلق آخر صاروخاً على أحد المباني المزروعة بالمتفجرات، الأمر الذي أدى إلى تفجّر مبنييْن وسقوطهما على من فيهما، في ما بدا أشبه بالزلزال. وبعد ذلك، وصلت قوات كبيرة من سيارات الإسعاف، فضلاً عن الطائرات المروحية، للبدء بعمليات الإجلاء التي استغرقت ساعات طويلة نظراً إلى وجود مفقودين.

وفي تعليقه على الحدث، أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن الجيش «بدأ تحقيقاً في الكارثة؛ إذ ينبغي استخلاص العبر اللازمة منها وبذل كل ما في وسعنا للحفاظ على أرواح المقاتلين»، معتبراً أن يوم الإثنين «كان أصعب الأيام منذ اندلاع الحرب»، مكرراً أن تل أبيب لن توقف القتال «حتى تحقيق النصر».

أمّا وزير الأمن، يوآف غالانت، فأقرّ «بأننا دفعنا ثمناً قاسياً لهذه الحرب التي ستحدد مستقبل إسرائيل. سقوط قتلى في صفوف الجيش أمر ضروري لتحقيق الأهداف»، في حين رأى وزير «مجلس الحرب»، بيني غانتس، أن ما حدث «صعب لشعب إسرائيل بأكمله. سنواصل المهمة التي قُتل لأجلها هؤلاء الجنود». ومن جهته، رأى وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، أن ما حدث «مفجعٌ. ويجب ألا تذهب دماء قتلانا في غزة هدراً»، فيما اعتبر زميله، وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أن صباح الأمس «صعب ومؤلم. والقلب مكسور ومحطّم»، مضيفاً أنه «أصبح الأمر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لا يجب أن تتوقف الحرب».

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى