مندوب مبيعات الجحيم

ــــ ١ ــــ
وماذا بعد..؟
ستسمعها من المحيط إلى الخليج. في العواصم القوية الساعية إلى وراثة الأدوار في خريطة «سايكس» و»بيكو» ذاتها، وفي العواصم التي اختفت إلا من أخبار التعاسة والمأساة، أو حتى في عواصم مهددة من الجميع…
السؤال عمومي.
وماذا بعد بروفة الجحيم؟
إقامة في الانتظار…. والانتظار له علامات تقتل الروح/ تعطل العقل/ تجعل النظر مشوشاً… والأهم أنه يسرق نصف الإرادة/ ويبقي الهواجس في مصاف واحد مع الأفكار.
ماذا بعد والعدالة التي هي أساس العمران (حسب مفهوم لمقالات ابن خلدون) تغيب وتتحوّل إلى أداة «المنتصر» في تركيع الجميع؟ أو أداة القادر في تأبيد قدرته؟
القانون ومنظوماته ودولته تنزع من سياقاتها، لتتحول إلى أسلحة فتاكة في معارك تشبه المعارك، معارك على السلطة محكومة بتهتك كل الأطراف، والمجتمعات المستضعفة من أنظمة ما بعد الاستعمار ومعارضيها، لا تجد غير مواقع الفرجة/ أو الحشد في استقطابات، من دون «عقد اجتماعي» بالمعنى السياسي الذي قامت عليه الدول فيما بعد انتهاء دول الوصاية والحقوق الإلهية، أو من دون «اتفاق حياة».
ــــ 2 ــــ
ليس ترفاً…
اتفاق الحياة، فمصالح الأقوياء (منتصرون ومهزومون في الاستعراض الدموي) لا تقود إلا الدمار الذاتي… كما فعلت أوروبا عندما ذهبت إلى جحيمها القاتل، على يد مَن يتصورون أنهم طيبون، يملكون الحقيقة والخلاص، ولديهم مشروع إنقاذ العالم، هؤلاء الطيبون أحرقوا العالم وقتلوا الملايين في الطريق إلى «الجنة الأرضية.»..
التبشير بهذه الجنة هو بضاعة الأطراف المتصارعة علينا من ورثة دولة ما بعد الاستعمار وحتى منافسيهم من تيارات العودة إلى الخلافة…، وبينهما طبقات سياسية وُلدت وترعرعت وتدافع عن استمرار هذا الجو المسموم من الخوف وتلبيس الشر قناعاً شفافاً من الخير.
الخوف والمؤامرة هما بين أدوات الساحر الذي يظهر بين مجموعته في هذه الصورة، بينما هو في نظر المجموعات الأخرى مجرم عتيد، هنا تنحشر العدالة في متاهة لا حدود لها كما نراه في قصص تتكرّر يومياً ليسيل الكلام المستقطب مع كل رواية، (من إعدام محمد مرسي إلى اتهامات ميشال سماحة ومن تسريبات للسلطة الحاكمة إلى تسريبات المنافسين والخصوم) هناك فيض سياسي بلا سياسة. فيض أفقد كل شيء قداسته ومعناه!. حمم بركانية تكشف عن غياب الاتفاق على ما يقيم مجتمعاً ودولة (ماذا تعني العدالة/ الحقوق والحريات/ القانون والفرد)؟
تفكّكت الروابط العامة لصالح عشوائية «البقاء فيها للأقوى..» وحتى هذه لم تعد مضمونة فالجحيم في انتظار المنتصر والمهزوم.
ــــ 3 ــــ
وفي ذهاب المنتصر والمهزوم إلى الجحيم علامات وإشارات…
الأولى أن المستبد القديم (نظاماً وحكماً من القاهرة إلى دمشق)، وبعد النجاح في «شيطنة» الثورة ومطالبات المجتمع بالحرية والعدالة، يفشل الآن في الدفاع عن مواقعه…
كما أن الخليج الذي يقود الآن، لا يمكنه الرهان على تحويل انتصاره إلى واقع تبنى عليه هندسة الدول والأنظمة…
وسنرى مثلاً أن أوباما في قمة «كامب ديفيد» الكرنفالية… ينشط تحالفاته القديمة في الخليج، مضافاً إليها اتفاق (أو مشروع اتفاق) مع إيران… وفي هذا ما يربك المنتظرين لحلول جذرية أو انحيازات نهائية أو تحالفات على قديمه.
وغالباً لن يكسب في كل الصراعات من سيناء إلى اليمن مروراً بالعراق وسوريا وليبيا سوى (تجار الأسلحة والمقاولات) بينما سينفتح الجحيم أكثر إذا لم نعترف كما اعترفوا بعد الحروب العالمية أو الأهلية… وغيرها ووصلوا إلى معادلة: إنهم لن يغيّروا ما بأنفسهم.. لكنهم سيضعون قواعد/ عقد اجتماعي/ وثيقة تعايش/ قانون للبقاء/ يضمن للجميع فرصة لحياة مشتركة لا تخضع للوصاية ولكن إلى احترام «المجال العام» أي الذي نعيش فيه… يمكنك أن تملأ بيتك بالقاذورات (السياسية والفكرية والاجتماعية) لكن عندما تصل جراثيمك إلى جارك فهناك قانون يحميه منك…
وهنا لا بد أن يصمت قليلاً مَن يروّجون لعباداتهم (للمتسلط الدولتي أو الطائفي أو العقائدي) في دعايات أنيقة…
مندوبو مبيعات الوصاية والتسلط لا دولتكم التي تنشرون عبادتها تصلح للمستقبل.. الجحيم من أمامكم وخلفكم وتحت أقدامكم.
صحيفة السفير اللبنانية



