نوافذ

مُروِّضُ المصائب

اليمامة كوسى

لطالما فكّرتُ بأنّ الكوابيس تبقى كوابيس، والهواجس تبقى هواجس، وهذيانات المرض تبقى هذيانات، وبأنّ أبعد الأفكار المأساويّة التي نجدها تتخبّط في رؤوسنا حين نكون بأضعف حالاتنا؛ يستحيل أن تكون في يوم من الأيام قريبة منّا إلى درجةٍ نشعر معها بأنها تخرجُ مع أنفاسنا.

كنتُ مخطئة في ذلك، كنت مخطئة كثيراً، فالوهم لا شيء أمام الحقيقة، والخيال لا شيء أمام الواقع، وما الكوابيس والهواجس والهذيانات سوى اجتزاء بسيط لما يمكن أن يحدث للمرء عندما تهبُّ عليه أعاصيرُ الحياة وتُجرفهُ قسراً إلى دوّامتها التي لا تتوقّف.

وكما أنّ الرّواية أصدق من الفيلم وأبلغ منه، فالحقيقة أصدق وأبلغ من الرواية والفيلم معاً، ولا يمكن أن تقترب الأجزاء أو المَشاهِد المُقطّعة ولو متراً واحداً من الحقيقة المستمرة التي يعيشها المرء ثانية بثانية. وهل يمكن  لأحد أن يشعرَ بضربات الفأس حقيقةً سوى جذع الشجرة الذي يتلقّاها؟!

تتعاطف معهُ الأشجار من حوله، نعم، يبكي السحابُ لأجله، نعم، تنوحُ عليه الحمائم، نعم، لكن مَن الذي يشعرُ بالألم الحقيقي غيره؟! لا أحد.

أفكّرُ في معنى المصائب فأجدهُ أثقل من أن تحملهُ اللّغة، وأعقد من أن يبسّطه اللّسان. تقع المصيبة حين يُصاب المرء بأكثر ممّا يتخيّل يوماً أن يصاب به، وحين يشعر بأكثر ممّا يفكّر بأنّهُ يستحقّه.

إنّها تلك القوّة المغناطيسيّة الخفيّة التي تشدّه نحو الأسفل وتجعله رازحاً تحت ثقلِ حقيقةٍ صادمة يستحيلُ أن تكون سراباً.

هي ليست مجرّد لحظة، ولا يوم، ولا شهر، ولا عام، المُصيبةُ عُمرٌ بأكمله تنامُ خلالهُ في مسامات وجهه وتقاسيمه، لا يمكن أن ينظرَ إلى المرآةِ دون أن يراها، ولا يمكن أن يراها دون أن يتحسّسَ ندوبها، قد لا تكون مؤلمةً كما كانت، لكنّها لا تزالُ بشعة.

كم تستطيعُ المصائب أن تُغيّر في الإنسان!

تنزل عليه فلا تترك فيه جزءاً صغيراَ إلّا وتنهشُ أظافرها فيه، تمدّ يدها إلى لسانه فتقطعه، فتقفُ كلّ صرخاته وأنّات روحه على شفتيه، فلا هي تخرجُ فتُريحُه ولا هي تهدأُ فيستكين، تمدّ يدها إلى أذنيه فتصمّهما، فلا يسمعُ العزاءات ولا الشماتات ولا الاقتتالات ولا المطالبات، لا يسمعُ سوى صوت اصطكاكِ أسنانها وهي تقبضُ على عظامه، تمدُّ يدها إلى قدميه فتشلّهما، فيبقى في مكانه بلا حراك وكأنّ العالم كلّهُ أصبح بلا قدمين. تمدُّ يدها إلى عينيه فتسلبُ بصرهما فلا ترَيَان ممّا حولهما شيئاً سوى السّواد.

أجيبوني هل يمكن لأحد أن يشعر بكلّ ذلك الألم سوى الفريسة نفسها؟!

ما الحلّ إذاً؟ ما الحلّ مع تلك الوحوش الشرسةِ التي تنهشُ الحواس وتكبّلُ الإرادة؟!

إنّهُ الزّمن، الزّمن ولا أيّ شيء آخر، مروّضُ المصائب الأعظم الذي يحوّلُ جروحَ النفس الملتهبة إلى ندوب.

فقط ثقوا به وبمُعلّمه ومُلهِمه وصانِعه وسيكون كلّ شيء على ما يُرام.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى