نتنياهو يرسم خطوط صراعاته المقبلة

رئيس الوزراء الإسرائيلي يربط تقدّم خطة غزة بمباحثاته مع ترامب، وسط نقاشات معلّقة حول الضفة الغربية وتصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بملف العفو ومحاكمته في قضايا فساد.
من الضفة الغربية إلى غزة والعفو الرئاسي، أطلّ رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه المرة محاطا بملفات سياسية وأمنية متشابكة، حاول من خلالها رسم خطوط صراعاته المقبلة داخلياً وخارجياً، فتصريحاته الأخيرة لا تعكس مجرد مواقف ظرفية بقدر ما تكشف محاولة لإعادة ضبط المشهد الإسرائيلي في مرحلة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية في غزة، والمفاوضات الحساسة حول الضفة الغربية، مع معركته الشخصية في ملفات الفساد والعفو المحتمل. وفي ظل هذه التحديات المتوازية، يبدو نتنياهو منهمكا في هندسة توازن جديد يضمن بقاءه في صدارة القرار السياسي رغم العواصف التي تحيط به.
وفي تصريحاته الأحد كشف جانبا من ملامح المرحلة المقبلة في الصراعين السياسي والعسكري، قائلا، إن مسألة الضم السياسي للضفة الغربية “لا تزال محل نقاش”، وإنه من المتوقع أن يبقى الوضع الراهن قائما “في المستقبل المنظور”، ما يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تعتزم اتخاذ خطوات أحادية فورية في هذا الملف رغم الضغوط التي تتعرض لها من داخل الائتلاف اليميني.
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حيث شدد على أن ملف الضفة الغربية لا يزال موضع نقاش داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية، دون أن يستبعد العودة إليه مستقبلاً. كما كشف أنه سيلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الشهر، مؤكداً أن “المرحلة الثانية من خطة ترامب بشأن غزة باتت قريبة من التنفيذ”.
وأوضح أن الاجتماع المرتقب مع ترامب سيناقش “فرص السلام الممكنة” بعد عامين من الحرب في قطاع غزة، إلى جانب آليات إنهاء حكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في القطاع. وقال إنه سيبحث أيضاً “ضمان تحقيق المرحلة الثانية” من الخطة الأمريكية، التي تتضمن سلسلة من الإجراءات السياسية والأمنية الهادفة إلى تثبيت الهدوء وتهيئة ترتيبات ما بعد الحرب.
وتسير المفاوضات بين الأطراف المعنية بخطة ترامب بوتيرة متواصلة بشأن المراحل المقبلة، إذ تشمل الخطة إطلاق سراح رهائن إسرائيليين ما زالت حماس تحتجز بعض رفاتهم، وتشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراط مؤقتة في غزة بإشراف “مجلس سلام” دولي، إلى جانب نشر قوة أمنية دولية لتثبيت الهدوء.
ورغم أن المرحلة الأولى من الخطة “توشك على الانتهاء” بحسب نتنياهو، إلا أن كثيراً من بنود المرحلة الثانية لا تزال محل نقاش بين واشنطن وتل أبيب ووسط خلافات داخلية إسرائيلية حول شكل السلطة الفلسطينية الجديدة ودور القوى الإقليمية في الإشراف عليها.
وتراجعت وتيرة العنف في غزة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أنها لم تتوقف بالكامل. ومنذ سريان الاتفاق، أفرجت حماس عن جميع الرهائن الأحياء البالغ عددهم عشرين شخصاً، وسلمت رفات 27 آخرين، في حين حصلت مقابل ذلك على إطلاق سراح نحو ألفي معتقل وأسير فلسطيني. ولا تزال رفات أحد الرهائن الإسرائيليين في غزة، فيما تستمر المفاوضات بشأن مصيرها.
وفي سياق منفصل، تطرّق نتنياهو خلال المؤتمر إلى ملف محاكمته المستمرة بتهم فساد، مؤكداً أنه “لن يعتزل الحياة السياسية” حتى لو حصل على عفو رئاسي. وجاء تصريحه رداً على سؤال صحفي حول إمكانية اعتزاله العمل العام مقابل عفو يصدره الرئيس إسحق هرتسوغ. وقال بوضوح: “لا”، نافياً أي نية للانسحاب من المشهد السياسي في هذه المرحلة.
وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي قد طلب الشهر الماضي من هرتسوغ منحه عفواً عن القضايا التي يحاكم فيها، بحجة أن تكرار المثول أمام المحكمة يعوقه عن إدارة شؤون الحكم، وأن العفو من شأنه “خدمة مصلحة إسرائيل”. ورغم ذلك، يشير القانون الإسرائيلي إلى أن العفو عادة لا يصدر إلا بعد انتهاء جميع الإجراءات القانونية وإدانة المتهم، في حين لا توجد سوابق لمنح عفو خلال سير المحاكمة.
ويواجه نتنياهو اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، لكنه يصر منذ سنوات على نفيها، مؤكداً أن المحاكمة – إذا وصلت إلى نهايتها – ستنتهي بـ”تبرئته التامة”. وفي تطور إضافي يعكس بُعداً سياسياً أميركياً في الملف، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة إلى هرتسوغ قبل أسابيع، يحثه فيها على النظر في منح نتنياهو عفواً.
وتتباين مواقف القوى السياسية الإسرائيلية بشأن العفو، إذ يرى بعض المعارضين أن أي عفو يجب أن يكون مشروطاً باعتزال نتنياهو الحياة السياسية والاعتراف بالذنب، بينما يذهب آخرون إلى ضرورة الدعوة لانتخابات مبكرة قبل البت في أي خطوة من هذا النوع، في حين أن الانتخابات العامة القادمة مقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وتعكس تصريحات نتنياهو في مجموعها توازناً بين إدارة معارك متعددة: من جهة ملف غزة وخطة ترامب، ومن جهة أخرى الضغوط القضائية التي تلاحقه داخلياً، والتي يبدو أنه مصرّ على تجاوزها من دون أن يدفع ثمناً سياسياً يهدد مستقبله.
ميدل إيست أونلاين



