كتب

نهلة كامل «أحبّت أنسي الحاج»

بديع صنيج

تقدّم الكاتبة السورية نهلة كامل في روايتها «أحببتُ أنسي الحاج» (دار التكوين) نصاً إشكالياً يتجاوز التصنيف المألوف، إذ تتقاطع فيه السيرة الذاتية مع السرد

 

تقدّم الكاتبة السورية نهلة كامل في روايتها «أحببتُ أنسي الحاج» (دار التكوين) نصاً إشكالياً يتجاوز التصنيف المألوف، إذ تتقاطع فيه السيرة الذاتية مع السرد، والحب مع الفكر، والمرض مع الكتابة. كما إنّ كامل لا تعمد إلى بناء حبكة تقليدية قائمة على تطور الأحداث، بل ينصب جُلّ اهتمامها على تأسيس فضاء تأملي تقدّم فيه الشخصيات بوصفها حالات وعي، لا مجرد مكوِّنات سردية. وهذا ما يفرض التعامل مع هذه الرواية كنصّ يراهن على تفكيك التجربة الإنسانية، لا إعادة تمثيلها حكائياً.

تتمحور الرواية حول صوت الراوية إيفا التي لا تقدّم نفسها كشخصية مكتملة أو مستقرة، على العكس هي ذات قلقة، تكتب لتفهم ما يحدث داخلها. فالكتابة عندها تبتعد عن كونها فعل تَذَكُّر بريئاً، بل ممارسة معرفية مؤلمة، تتشكّل في تماسّ مباشر مع الحب، المرض، الفقد، والوعي بالزمن، في محاولة حثيثة للبحث عن الذات، وتقليص المسافة بين التخييل والواقع قدر الإمكان.

نهلة هنا تعمل على تفكيك التجربة الإنسانية لا تزيينها، وراويتها إيفا مثلها لا تسعى إلى تبرير اختياراتها، ولا إلى استدرار التعاطف، بل إلى مساءلة ذاتها باستمرار. ولذلك فهي شخصية تتحرّك داخل النص عبر الأسئلة، لا عبر الأفعال، ما يجعلها أقرب إلى «ذات كاتبة» منها إلى بطلة روائية بالمعنى التقليدي للكلمة.

حضور جمالي

لا يظهر أنسي الحاج في الرواية كشخصية تؤدي أفعالاً أو تمرّ بتحولات درامية، بل كحضور فكري وجمالي كثيف، يتشكّل عبر الذاكرة، والحوار، والانطباع. إنه بطل غائب حاضر، يُبنى عبر أثره في الراوية أكثر مما يُبنى من خلال سلوكه. وهو هنا كائن فردي يصرّ على خصوصيته وتمرّده على الأطر الجاهزة، وعلى كونه إنساناً حافَظَ على نقائه في زمن غير نقي على الإطلاق، ولا سيما أنه رفض التسييس والوظيفية.

والجميل في الرواية أن العلاقة التي جمعت إيفا بأنسي لم تقم على التَّملُّك أو الاكتمال العاطفيين، بل على المسافة، فالحب الذي أخَّرَت الراوية الإعلان عنه حتى الفصل الأخير، لا يُقدَّم كحلّ، بل بمنزلة توتر دائم، وحالة قلق منتجة للكتابة ودافعة للبحث. بهذا المعنى، تتحوّل المسافة إلى عنصر بنيوي في الرواية، لا إلى عائق. إنها المسافة التي تتيح التفكير، وتحول دون الاستهلاك العاطفي، وتمنح العلاقة طابعها المميز، ليس كتجربة رومانسية بل كرحلة وعي.

التَّمرُّد دائم

تنافس أنسي في الرواية شخصية نبيل الكاتب والمنظِّر المسرحي الذي آمن بأن الثورة مؤقتة والتمرد دائم، وبأننا محكومون باليأس وبفرح الزوال، رغم إعلانه عكس ذلك في بياناته ولقاءاته وكلماته، لنكون بذلك أمام سعد الله ونوس من دون الإعلان عن ذلك صراحةً.

ورغم أن الرواية تصوّر الحاج ونبيل كَنِدَّين فكريين، إلا أنهما أسهما في تعزيز وعي إيفا، منذ بداية علاقة نبيل بها وإهدائه إياها قصائد لأنسي الحاج، تعبيراً عن تماثل في الجوهر رغم اختلاف التجربة بين الشخصيتين، فلكل منهما بيانه الخاص، وأسلوبيته في مواجهة الهزائم والخراب العميم، إلى درجة أنّ نبيل كان كمرآة لأسئلة فكرية مستدامة لدى إيفا تتعلق بالالتزام، والحرية، والثقافة، ما ساعدها على تأمل حدود الإبداع وعلاقته بالسياسة، من دون وصفة نهائية، بل مع شكوك متزايدة بكل ما يتعلق بمعنى الوجود وآليات مجابهته.

الكتابة فعل مقاومة للفقد والزمن

شخصيات أخرى في الرواية جاءت كمُحرِّضات للمعرفة والتساؤل الدائم عن الذات، منها الأستاذ أحمد الذي يهجو كل شيء، ولم يتخلَّ عن سخريته المريرة من القادة والأحزاب والكتل السياسية وعُهر الثقافة… بل واظب على حُرِّيته في القول، وقدرته على مقارعة الأفكار بقصائد ناقدة وبنَّاءة. ومع ذلك بقي منسياً لم يجد من يتبنَّى شعره وينشره إلا أيام مجلة «الكلب» لمؤسسها صدقي إسماعيل.

وهناك عزيز الذي اختار الابتعاد بعد تهديدات من ضابط أمن له بعدم الاقتراب من إيفا لكونه من طائفة مختلفة، فآثر أن يحدد مصيره في منفى اختياري يواجه فيه عالمه القاسي وحيداً، ويسعى إلى تفكيك منظومة الخراب السياسية التي تنخر البلاد. ومع ذلك لا تُقدِّمه نهلة كشخصية مأساوية بقدر كونه إمكانية وجودية أخرى، تُجبر إيفا على التفكير في معنى البقاء، وفي العلاقة بين النجاة الفردية والخسارة الجماعية.

ماض انفعالي

أما شخصية سوزان صديقة طفولة إيفا وشبابها، فجاءت كانعكاس للذاكرة وما تفرضه من حساسية على الحاضر، بوصفها مرتبطة بماضي الراوية الانفعالي، وعلاقتها بتجارب الجسد والكتابة عن الحب والجمال. وتتعزز مكانتها في النص بوصفها متمردة على التقاليد، تزوجت من حبيبها يوسف الذي هربت معه «خطيفة» لأنه لا ينتمي إلى طائفتها. وبعد ذلك تأتي الحرب على حُبِّها، فبعد مجابهة من يحاول اغتصابها لأنها ارتضت عدم الرضوخ للتقاليد، يُدافع عنها حبيبها فيُرديه المُغتصِب برصاصة، الذي ينتهي ميّتاً هو الآخر بعدما ضربته سوزان بمزهرية نحاسية على رأسه. ولمزيد من التراجيديا، يموت ابنها الذي يعمل مهرّباً على خط دمشق لبنان، فتهاجر إلى السويد حيث ابنها البكر وهناك تموت بمرض عضال.

هذه التراجيديا التي عاشتها سوزان، جعلتها تنتقل من كونها كاتبة سريالية بامتياز إلى جزء صميمي من السريالية بعدما تفوقت الأحداث المرعبة التي عايشتها على خيالها الغرائبي، ولا سيما بعدما قُصِف منزلها. وأمام اشتباكات الموت والبقاء، دمَّرت الحرب أحلام سوزان وجعلتها تؤثر الهرب.

في المقابل، فإنّ حُسام الذي تزوَّجته إيفا، آثر حياته السياسية على حياته معها. ومع مرور الزمن، استثمرته السلطة لإقناع الناس بصوابية قراراتها، فابتعد عن كينونته السابقة كمدافع عن حقوق المستضعفين إلى شخصية أخرى كل همّها الارتقاء في سلم السلطة بعيداً من أي تفكير إنساني آخر.

المميز في تلك الشخصيات أنها لم ترتبط بأحداث ضمن الرواية، ولم تؤد أدواراً وظيفية تقليدية في الحبكة، بل تظهر بوصفها نقاط تماس إنسانية وأدوات تفكير، تُستخدم لتوسيع أفق النص وتعقيد أسئلته الوجودية.

رابطة خفية

يأتي مرض السرطان بوصفه رابطة خفيّة بين إيفا ونبيل وأنسي، إذ خلق نوعاً من التفاهم الصامت، حيث لا تقوم العلاقات على الاعتراف المباشر أو التعاطف المعلن، بل على إدراك مشترك للهشاشة ولحدود الجسد والزمن. يكتسب شفاء إيفا أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمنحها موقع الشاهدة لا الضحية، ويحوّل علاقتها بالآخرين من علاقة تشارك في الألم إلى علاقة تأمّل في أثره. فالشفاء لا يُلغي رابطة المرض، بل يعيد صياغتها، بحيث تصبح الذاكرة المشتركة أساس العلاقة، لا الحاجة المتبادلة، ويتحوّل المرض من عنصر تراجيدي إلى بنية خفيّة تنظّم العلاقات داخل الرواية، وتفسّر اقتصادها العاطفي، وهدوءها، وابتعادها الواعي عن الميلودراما.

رواية قاتلة

تعتمد الرواية بناءً غير خطي، يقوم على التداعي، والذاكرة، والمقاطع التأملية. فالأحداث لا تُرتَّب وفقاً لتسلسل زمني صارم، بل تُستدعى بحسب كثافتها الشعورية.

هذه الكتابة الحرة والتفكيك الواعي اللذان قامت بهما نهلة كامل للحبكة التقليدية، جعلا روايتها أقرب إلى نصّ تفكيري. تصبح الفكرة أهم من العقدة والحل، ويأتي الحب، سواء لأنسي الحاج أو لنبيل أو لعزيز أو لسلوى… باعتباره تجربة وعي، يعزّز الكتابة باعتبارها فعل مقاومة للفقد والزمن. وهو ما يجعل من هذه الرواية تجربة لا تُروى، بل تُفكَّك.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى