بلا حدود

هل أتت التكنولوجيا لصالح البشر أم لصالح جهات اخرى ؟

ماهر المملوك

سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره يمسّ بنية العلاقة بين الإنسان والسلطة والمعرفة. فمنذ انطلاقة الثورة الصناعية الأولى، مرورًا بالثورة الرقمية، وصولًا إلى عصر الذكاء الاصطناعي، ظلّت التكنولوجيا تُقدَّم بوصفها مشروعًا إنسانيًا لتحسين جودة الحياة وتسهيلها. غير أنّ التحولات المتسارعة في العقود الأخيرة، خصوصًا مع صعود عمالقة التقنية مثل Google وMeta وApple، أعادت طرح السؤال بصورة أكثر حدّة: هل ما زالت التكنولوجيا في خدمة الإنسان الفرد، أم أنها أصبحت أداة مركزية بيد الحكومات والمؤسسات الكبرى لإدارة المجتمعات وضبطها؟

لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا جاءت في أصلها لخدمة البشرية. فقد يسّرت التواصل، وقلّصت المسافات، ورفعت من كفاءة العمل، ووسّعت نطاق المعرفة. أصبح الوصول إلى المعلومة يتمّ خلال ثوانٍ، بعد أن كان يتطلّب أيامًا وربما شهورًا. تحسّنت الخدمات الصحية بفضل الأجهزة الطبية الرقمية، وتطوّر التعليم عبر المنصات الإلكترونية، وتيسّرت المعاملات المالية من خلال الأنظمة المصرفية الرقمية. كل ذلك يعكس وجهًا مضيئًا للتكنولوجيا بوصفها امتدادًا للعقل البشري وأداة لتعزيز قدراته.

لكن الوجه الآخر لا يقلّ حضورًا. فقد وجدت الحكومات في التكنولوجيا وسيلة فعّالة لتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة والإرهاب، وضبط الحدود، وتنظيم حركة الأموال والمعلومات. أنظمة المراقبة بالكاميرات، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنيات التعرف على الوجوه، كلها أدوات تُستخدم اليوم على نطاق واسع. من منظور رسمي، تُبرَّر هذه الإجراءات بضرورات الأمن القومي وحماية المجتمع من المخاطر المتزايدة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: أين ينتهي الأمن ويبدأ التعدّي على الخصوصية؟

لقد أصبح الفرد، في كثير من الأحيان، موضوعًا دائمًا للرصد غير المباشر. فالهاتف الذكي الذي نحمله معنا على مدار الساعة يسجّل بيانات عن مواقعنا، واهتماماتنا، وعاداتنا الشرائية، وحتى أنماط نومنا. منصات التواصل الاجتماعي لا تكتفي بتسهيل التواصل، بل تبني ملفات رقمية دقيقة عن كل مستخدم. وهنا تتقاطع مصالح الشركات مع مصالح الحكومات؛ فالمعطيات التي تجمع لأغراض تجارية يمكن أن تتحوّل، في سياقات معينة، إلى أدوات رقابية.

إن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا غيّر أيضًا طبيعة العلاقات الإنسانية. في السابق، كانت حلّ المشكلات يعتمد بدرجة كبيرة على الحوار المباشر، والوساطة الاجتماعية، والثقة المتبادلة. أما اليوم، فأصبحت “المعلومة الرقمية” تحظى بثقة تفوق أحيانًا ثقة الإنسان بالإنسان. تقرير إلكتروني قد يحسم مسار توظيف، أو منح تأشيرة، أو حتى تقييم جدارة ائتمانية، دون أن يكون هناك مجال كافٍ للاعتبارات الإنسانية أو للظروف الخاصة.

الأخطر من ذلك أن التكنولوجيا تسلّلت إلى أدق تفاصيل الحياة الخاصة. لم تعد الخصوصية مفهومًا ثابتًا كما في الماضي. صور العائلة، تفاصيل الرحلات، المشتريات، المناسبات، وحتى اللحظات الحميمة، باتت قابلة للتوثيق والمشاركة وربما الاختراق. الأجهزة الإلكترونية أصبحت أقرب إلى الإنسان من أقرب المقرّبين إليه؛ فهي ترافقه في غرفة نومه، وفي عمله، وفي تنقّلاته، بل وحتى في أكثر الأماكن خصوصية. هذا الحضور الدائم خلق نوعًا من “الاعتياد الرقابي”، حيث يتعايش الفرد مع فكرة أنه مراقَب بشكل غير مباشر، إلى درجة أن الشعور بالانتهاك لم يعد حادًا كما كان.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المسألة في معادلة بسيطة بين “البشر” و“الجهات الأخرى ”. فالتكنولوجيا بطبيعتها أداة؛ قيمتها الأخلاقية تتحدد بطريقة استخدامها. يمكن أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان عبر تمكينه من الوصول إلى المعرفة والتعبير عن رأيه، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإحكام السيطرة وتقييد الحريات. في بعض الدول، أسهمت المنصات الرقمية في كشف الفساد وتعزيز الشفافية، بينما في دول أخرى استُخدمت لتضييق مساحة التعبير وملاحقة المعارضين.

ثمّة بعدٌ آخر يتمثل في الاقتصاد الرقمي. فالشركات الكبرى التي تدير المنصات الرقمية تمتلك اليوم نفوذًا يتجاوز أحيانًا نفوذ بعض الدول. هذه الشركات تتحكم في تدفّق المعلومات، وفي خوارزميات تحدد ما نراه وما لا نراه، ما نشتريه وما نهتم به. وهنا تتداخل السلطة السياسية مع السلطة الاقتصادية في فضاء رقمي عابر للحدود. المواطن لم يعد فقط تحت سلطة حكومته الوطنية، بل أيضًا تحت تأثير منظومات رقمية عالمية.

السؤال إذًا ليس: هل أتت التكنولوجيا لصالح البشر أم لصالح جهات اخرى متعددة؟ بل: كيف يمكن إعادة توجيهها بحيث تبقى في خدمة الإنسان دون أن تتحول إلى عبء عليه؟ التحدي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين الأمن والحرية، بين الكفاءة والخصوصية، بين التطور التقني والقيم الإنسانية.

إن المستقبل الرقمي يتطلّب وعيًا جماعيًا وتشريعات واضحة تحمي البيانات الشخصية وتضمن الشفافية في استخدام المعلومات. كما يتطلّب من الأفراد أنفسهم إدراكًا أعمق لطبيعة الأثر الذي تتركه خطواتهم الرقمية. فالتكنولوجيا ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا حضاريًا يمكن توجيهه.

في النهاية، يمكن القول إن التكنولوجيا جاءت في أصلها لصالح البشرية، لكنها أصبحت ساحة صراع بين مصالح متعددة: سياسية، وأمنية، واقتصادية. والنتيجة النهائية لن تُحسم لصالح طرف دون آخر إلا بقدر ما يتمكّن المجتمع من فرض معايير أخلاقية وقانونية تضمن أن يبقى الإنسان هو الغاية، لا مجرد وسيلة في منظومة رقمية شاملة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى