هل انتهى عصر القواعد الأميركية الضخمة في الخليج؟
تعرضت القوات الأميركية إلى خسائر كبيرة في الحرب مع إيران، ما أعاد إحياء نقاش قديم داخل الأوساط العسكرية والاستراتيجية في الولايات المتحدة بشأن جدوى استمرار تمركز آلاف الجنود في قواعد كبيرة وثابتة في الخليج و الشرق الأوسط، في ظل القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لدى إيران وحلفائها.
ويرى الباحث الأميركي إليوت أبرامز، في تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن البيئة الأمنية التي أُنشئت فيها هذه القواعد تغيرت بصورة جذرية، ما يفرض مراجعة شاملة لانتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
وبنيت معظم القواعد الأميركية في الخليج خلال العقود الماضية لمواجهة تهديدات تقليدية، حين كانت تتمتع بعمق جغرافي وحماية كافية. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المنشآت تقع ضمن مدى الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما يجعلها مواقع يسهل استهدافها في أي مواجهة عسكرية واسعة، ويزيد من كلفة الدفاع عنها.
ويرى أبرامز أن الحرب الأخيرة أظهرت أن التركيز الكبير للقوات والمعدات في عدد محدود من القواعد لم يعد يمثل ميزة استراتيجية، بل تحول إلى نقطة ضعف يمكن لإيران استغلالها لتكبيد الولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية منذ الساعات الأولى لأي صراع. فبدلاً من الحاجة إلى استهداف عشرات المواقع الصغيرة، يكفي توجيه ضربات دقيقة إلى قواعد رئيسية لإحداث تأثير عملياتي وسياسي كبير.
ويتمثل أحد أبرز الدروس المستخلصة في ضرورة الانتقال من نموذج “القواعد الضخمة الدائمة” إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على الانتشار الموزع للقوات، وتقليل أعداد العسكريين المتمركزين بصورة دائمة في المواقع القريبة من إيران، مع الاعتماد بصورة أكبر على قواعد متعددة أصغر حجماً، وقوات سريعة الحركة، وقدرات بحرية وجوية تستطيع العمل من مسافات أبعد.
ويؤكد أبرامز أن التطور التكنولوجي لم يعد يجعل الوجود العسكري الدائم شرطاً أساسياً للحفاظ على النفوذ الأميركي، إذ يمكن للولايات المتحدة الاحتفاظ بقدرتها على الردع عبر القوات البحرية، وحاملات الطائرات، والقاذفات بعيدة المدى، والانتشار الدوري للقوات، بدلاً من الإقامة المستمرة في قواعد معرضة للهجمات.
ولا يعني ذلك أنه من الضروري انسحاب أميركا من الشرق الأوسط، بل إلى إعادة صياغة الوجود العسكري بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحالية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك مصالح استراتيجية في المنطقة، تشمل حماية طرق التجارة الدولية، وضمان أمن الطاقة، ودعم الحلفاء، ومواجهة التنظيمات المسلحة، إلا أن تحقيق هذه الأهداف لا يتطلب بالضرورة بقاء أعداد كبيرة من الجنود داخل قواعد أصبحت أكثر عرضة للخطر.
كما يشير إلى أن تقليل الوجود العسكري الثابت قد يحرم إيران من أهداف ذات قيمة عالية يمكن استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية أو دعائية في حال استهدافها، ويخفض في الوقت نفسه احتمالات تعرض القوات الأميركية لخسائر كبيرة في بداية أي مواجهة.
ويحمل أي تعديل في انتشار القوات الأميركية أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب العسكري، إذ تعتمد دول الخليج منذ عقود على الوجود الأميركي باعتباره ركيزة أساسية لمنظومة الردع الإقليمية. ولذلك فإن إعادة وبدأت دول الخليج في تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، والاستثمار بصورة أكبر في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتوسيع التعاون الأمني فيما بينها.
ويرى التحليل أن إعادة هيكلة الانتشار لا تعني تراجع الالتزام الأميركي، بل تهدف إلى جعل هذا الالتزام أكثر استدامة وأقل كلفة وأكثر قدرة على الصمود أمام التهديدات الجديدة، عبر تقليل نقاط الضعف وزيادة مرونة القوات.
والحرب مع إيران قد تشكل نقطة تحول في التفكير العسكري الأميركي تجاه الشرق الأوسط. فالتحدي لم يعد يتمثل في حجم القوات المنتشرة، بل في كيفية توزيعها، وقدرتها على المناورة، وسرعة إعادة انتشارها، وتقليل تعرضها للضربات الدقيقة.
وبذلك، قد تشهد السنوات المقبلة إعادة رسم لخريطة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بحيث يصبح الانتشار أكثر تشتتاً ومرونة، مع الاعتماد على التكنولوجيا والقدرات بعيدة المدى، بدلاً من القواعد الكبيرة التي كانت لعقود رمزاً للحضور العسكري الأميركي، لكنها أصبحت اليوم أكثر عرضة للاستهداف في ظل تغير طبيعة الحروب وتطور قدرات الخصوم.
ميدل إيست أون لاين



