تحليلات سياسيةسلايد

هل بات سقوط النظام الإيراني مسألة وقت؟

د. مثنى عبدالله

واهم من يعتقد أن العاصفة الأخيرة التي مرّ بها النظام السياسي في طهران، قد مرت بسلام هذه المرة، بل إن اعتبارات عديدة هي التي قادت واشنطن إلى تأجيل العمل لأسقاط النظام، فلا توافق ولا إجماع من قبل طاقم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فعل ذلك، وهو ما أصغى إليه الرئيس، فالصقور يرون ما تراه إسرائيل، ويريدون تدخلا فوريا لإسقاط النظام الإيراني، فيما الواقعيون يقولون، إن النظام متين ولن يسقط نتيجة الضربة العسكرية، وهذا يعود إلى اعتبارات داخلية في الولايات المتحدة، فلا حماس ولا شهية لعمل عسكري جديد وحرب جديدة.

 

بالتالي هنالك مخافة من أن يؤثر هذا الفعل على نتيجة الانتخابات النصفية لغير صالح ترامب والجمهوريين. ومع أن السعي العربي من أجل ثني ترامب عن المباشرة بالضربة، كان له قول في الأمر، لكن القول الفصل في الموضوع هو الرسالة الإسرائيلية القائلة، إنها ليست جاهزة للحرب، فعليها إعداد الملاجئ وتجهيز الدفاعات بشكل وافٍ، لأنها تعلم أن النظام الإيراني سيستخدم كل ما لديه هذه المرة قبل أن يموت. وعليه لا بد لنا أن نتذكر أن الجولة الثانية من الحرب لإسقاط النظام الإيراني مقبلة لا محالة من وجهة نظر إسرائيلية وأمريكية.

إن وجود تظاهرات في إيران، أو انسحاب المتظاهرين من الشوارع، لا يبدو هذا الموضوع مهما للولايات المتحدة اليوم، فالحشد الأمريكي مستمر على مستوى المنطقة، استعدادا للجولة التالية، ودعك من حديث ويتكوف عن حل دبلوماسي، فالخطوط الحمر الأمريكية والإيرانية لا تلتقي إطلاقا. بالتالي الكلام عن حل دبلوماسي، أو وساطات من هذا الطرف، أو ذاك ليس مبنيا على معطيات موضوعية. فالحرب قادمة والضربة قادمة، ولكن ليس الآن.

هنا علينا أن نقول، إن أسلوب الحرب على العراق لن يتكرر مرة أخرى.. نعم الهدف الأمريكي – الإسرائيلي المشترك هو إسقاط النظام، ولكن الاختلاف بينهما، الذي وافق عليه عدد كبير من الصقور، هو أن الولايات المتحدة تريد إسقاطا هادئا للنظام، بينما إسرائيل تُغلّب أولوية إسقاط النظام، على أي نتائج لهذا الإسقاط، لذلك الطرح الذي يتكرر اليوم في واشنطن هو النموذج الفنزويلي، أي كما تم القبض على رأس النظام والمحافظة على شكل النظام، لماذا لا يكون الضغط الأمريكي أو الضربة الأمريكية، تؤدي إلى النتائج نفسها في طهران، وهذا الطرح الذي يقدمه الصقور للواقعيين في واشنطن هو للقول، إنه إن كنتم تخافون من الفوضى في حال إسقاط النظام الإيراني، فثمة حلول بين حالة الفوضى التي تُحذّرون منها، والسقوط الناجح للنظام، خاصة أنه ليس هنالك من بدائل لأن الولايات المتحدة تخلت عن معارضة الخارج منذ زمن بعيد، وحتى ابن شاه إيران السابق، الذي ما زال يحلم بالعودة للحكم في طهران، أشار ترامب إلى أنه ليس مهتما به.

لقد نَحتْ واشنطن، خاصة أثناء ولاية ترامب الأولى والحالية، مَنحى جديداً في التعامل الدولي، فهي تستخدم مبدأ فرض الرؤية بالقوة على الآخرين، لتحقيق مصالحها. وما يؤكد هذا الاتجاه هو، مقولة وزير الدفاع الأمريكي من أنه حين تكون مستعدا للحرب فبهذا تفرض رؤيتك على الآخرين. كما يدخل في هذا التوجه أيضا قرار تغيير الاسم من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، بل حتى تصريحات ترامب سواء الإيجابية منها، أو السلبية فهي مرسومة باتجاه خلق الفوضى لدى الطرف الآخر. مثال على ذلك أنه قبل ليلة حض المتظاهرين في إيران على توسيع فعلهم بالسيطرة على المؤسسات، وتبشيرهم بأن المساعدة في طريقها إليهم. لكن في اليوم التالي شكر القادة الإيرانيين لأنهم توقّفوا عن إعدام بعض المتظاهرين، ثم يعود بعد 24 ساعة ليُصرّح، بأن هذا النظام لا بد أن يرحل. هذا الأسلوب هو نفسه الذي استخدمه في حرب الأيام الاثني عشر مع إيران، وهو نفسه الذي استخدمه مع فنزويلا، حيث رأينا التصريحات المتضاربة، فتارة كان يقول إنه تحدث مع مادورو وكان الحديث إيجابيا، وفي الصباح وجدنا مادورو وقد تم اختطافه ونُقل إلى الولايات المتحدة. إذن تصريحات ترامب هدفها خلق الفوضى وليست بوصلة تأخذ الطرف الآخر نحو الواقع والحقيقة.

إن ما يمكن قوله وبنسبة عالية من الموثوقية، أن السكين التي قطّعت أذرع طهران في المنطقة، قد باتت مسلطة على رقبة النظام. فبعد حرب الاثنى عشر يوما جرى نقل الأزمة إلى الداخل الإيراني، وهذا أخطر ما يواجهه أي نظام سياسي في العالم، لأن صانع القرار سوف تنتابه حالة من عدم اليقين بكل ما حوله، فيحسب أن كل حركة مهما كانت هي العدو قادم إليه فينتابه الشطط. فكيف وقد باتت أرض إيران وسماؤها مستباحة على مدار الساعة من قبل أعدائها؟ وهنا نتحدث عن اختراقات، ربما تفوق الاختراقات التي ظهرت في حرب الاثني عشر يوما، والتي كشفت عن أن إسرائيل موجودة وبشكل كبير على الأراضي الإيرانية، بعد الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي وقع فيه النظام، حيث كان قد وضع كل موارده المادية والبشرية لبناء كيانات لادولتية خارج حدوده، ظنا منه أنه سيشاغل بها أعداءه ويمنع الخطر من الوصول إليه، فإذا به يجد الأعداء وقد اخترقوه من الداخل، وتمكنوا من قياداته ومؤسساته، بل حتى الضيوف على أرضه، بعد أن نسي تحصين الداخل.

إن النظام الإيراني يواجه اليوم أزمة وجودية حقيقية، فقد أنشغل هذا النظام منذ عام 1979 بمسألة البقاء واستدامة هذا البقاء في السلطة، ولم يسع إطلاقا لإحداث تغيرات جوهرية في تركيبته، إلى الحد أن كل المحاولات لإصلاحه من الداخل وعلى يد أركان مشهورين لديه قد وئدت في مهدها سريعا. وإذا كانت قد صدرت أصوات جديدة من داخل النظام اليوم، تقول بضرورة إجراء تعديلات على نظام ولاية الفقيه، والانتقال به من الثورة إلى الدولة لإطالة عمره، فإن المناعة القوية التي يملكها هذا النظام ضد مسألة التطوير والإصلاح، تعيق أية فكرة من هذا النوع، ولنا أمثلة في ذلك كثيرة، بدءا من الصدام مع أبو الحسن بني صدر أول رئيس للنظام بعد الثورة، ثم منتظري وحتى محمود أحمدي نجاد، كلهم قوبلوا بالقمع والعزل، لذلك هذا النظام عصي على التطوير والإصلاح، رغم الاحتجاجات المستمرة بين الحين والآخر منذ سنوات. والسبب في ذلك هو أن النظام الإيراني ليس مؤسسات سياسية فقط، بل هو بناء أيديولوجي اقتصادي أمني وعسكري. وهناك دولة متكاملة موازية للدولة الإيرانية يمثلها الحرس الثوري والمؤسسة الدينية.

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى