تحليلات سياسيةسلايد

هل تكون حلب ضحية “الميثاق الوطني” التركي؟

ملكون ملكون

أردوغان لا يطالب بضمّ أراض، لكنه يستخدم لغة تشير إلى “الحدود العاطفية” أو “الحدود التاريخية”، وأحيانًا يذكر الميثاق الوطني لإثارة الحس القومي داخليًا.

 

في الخطاب السياسي والإعلامي التركي تظهر أحيانًا إشارات إلى “ارتباط تاريخي” بين تركيا وحلب، وتصل أحيانًا إلى الحديث بشكل مباشر عن هوية حلب باعتبارها تركية. ولعل تصاعد هذا الحديث في السنوات السابقة، والتوغّل التركي في الجغرافيا السورية، وخطط التتريك في ريف حلب، كلّها تثير المخاوف في ظل العودة بين الحين والآخر إلى “الميثاق الوطني” التركي.

تاريخيًا

بالإمكان تلخيص الأسباب التاريخية التي يستند إليها الخطاب الرسمي والإعلامي التركي في النقاط التالية:

  • الانتماء إلى الدولة العثمانية لعدة قرون، فقد كانت حلب إحدى أهم ولايات الدولة العثمانية منذ 1516 وحتى الحرب العالمية الأولى. هذا الإرث يُستخدم من قبل بعض القوميين الأتراك للقول إن المنطقة “جزء من التاريخ العثماني”، وبالتالي لتركيا علاقة تاريخية بها.
  • وجود روابط اجتماعية واقتصادية قديمة عبر الحدود بين جنوب تركيا (عنتاب، كيليس، أورفا) وحلب، تشمل علاقات عشائرية وتجارية طويلة، وتُقدَّم هذه الروابط أحيانًا كدليل على وحدة جغرافية ـ اجتماعية سابقة.
  • التحولات الحدودية بعد الحرب العالمية الأولى، فبعد انهيار الدولة العثمانية رسمت القوى الأوروبية الحدود الجديدة (اتفاقية أنقرة 1921 واتفاقية لوزان 1923). وبعض القوميين الأتراك يعتبرون أن اقتطاع المناطق العربية الشمالية ـ ومنها حلب ـ كان “ظلمًا استعماريًا”.
  • أوهام سياسية حول الميثاق الوطني (Misak-ı Millî)، وهو وثيقة تركية (1920) تصوّر حدودًا “مثالية” لتركيا تشمل الموصل وكركوك وأحيانًا حلب، لكن تركيا الحديثة تخلت رسميًا عن هذه الحدود في معاهدة لوزان. ومع ذلك سنناقش لاحقًا هذا “الميثاق الوطني”.

حاليًا

هناك أسباب حديثة تُضاف إلى الأسباب التاريخية بالنسبة للأتراك، نلخصها في النقاط التالية:

  • مفهوم “الوطن الأزرق” أو “النفوذ الإقليمي التاريخي”، إذ لدى بعض التيارات في تركيا رؤية تقوم على أن تركيا يجب أن تستعيد نفوذها في المناطق التي كانت ضمن السلطنة العثمانية، من دون ضمّها. وتُعتبر حلب “حديقة خلفية اقتصادية” أو “عمقًا استراتيجيًا” لتركيا.
  • الأمن القومي التركي، حيث تبرّر تركيا تدخلها في شمال سوريا بمخاوف مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK) وامتداداته، ويُستخدم التاريخ العثماني كـ”غطاء ثقافي” لتسهيل تبرير التدخلات لا كدليل على الملكية.
  • الخطاب القومي الداخلي، إذ يستخدم بعض الأحزاب القومية واليمينية (مثل حزب الحركة القومية MHP) لغة تقول إن بعض المدن مثل حلب أو الموصل “كانت لنا تاريخيًا”. تمامًا كما صرّح دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية التركية، بأن حلب مدينة تركية حتى النخاع.

لكن تركيا لا تملك أي أساس قانوني دولي للقول إن حلب جزء من الدولة التركية، فالحدود الحالية محددة ومثبتة في معاهدات دولية (لوزان 1923)، إضافة إلى وجود اعتراف دولي كامل بسيادة سوريا على حلب وعدم وجود أي نزاع حول ذلك.

ما هو “الميثاق الوطني”؟

الميثاق الوطني هو وثيقة سياسية صدرت سنة 1920 عن البرلمان العثماني الأخير في إسطنبول، وتُعدّ بمثابة رؤية قومية تركية للحدود التي اعتبرها مؤسسو الدولة التركية “الحدود الطبيعية” بعد الحرب العالمية الأولى. وقد أصبحت هذه الوثيقة لاحقًا جزءًا من الأسطورة التأسيسية للجمهورية التركية.

وينص الميثاق الوطني على ما يلي:

1رسم حدود “تركيا المثالية” بعد الحرب العالمية الأولى

الميثاق يحدد المناطق التي يجب — حسب رأي النواب العثمانيين — أن تبقى ضمن الدولة التركية التي ستنشأ بعد سقوط الإمبراطورية، وتشمل:

أولًا: الأناضول وتراقيا الشرقية: باعتبارهما “القلب التركي”.

ثانيًا: الموصل وكركوك (شمال العراق): لأن أغلب سكانهما — حسب رؤية الوثيقة — “مسلمون أتراك أو مرتبطون بتركيا”.

ثالثًا: شمال سوريا (حلب–عينتاب–مرعش–أورفة–كلّس): خاصة ولاية حلب، باعتبارها جزءًا من الولايات العربية الشمالية للسلطنة وذات روابط اقتصادية وديموغرافية مع الأناضول.

رابعًا: الإسكندرون (لواء إسكندرون/هاتاي): الذي أصبح جزءًا من تركيا عام 1939.

خامسًا: كارس وأردهان وباطوم: مناطق في القوقاز كانت عثمانية لفترة.

2الإصرار على حق السكان في تحديد مصيرهم

الميثاق ينص على ضرورة السماح للسكان المسلمين في المناطق المختلفة بتقرير مصيرهم وفقًا للأغلبية. وفي ذلك الوقت كان القوميون الأتراك يعتقدون أن إجراء استفتاء في شمال العراق وشمال سوريا سيؤدي إلى نتيجة لصالح الانضمام إلى تركيا.

3رفض المعاهدات المفروضة من الحلفاء

الميثاق يرفض معاهدة سيفر التي كانت تُجزّئ الأناضول نفسه.

الميثاق لم يتحول إلى معاهدة دولية، لكنه أصبح رمزا قوميّا. وبعد وصول أتاتورك إلى السلطة، بقي “الميثاق الوطني” يُستخدم في السياسة التركية حتى الآن. ففي خطاب التيارات القومية تُعتبر الوثيقة مرجعًا لتأكيد أن الموصل وكركوك “أراضٍ اقتُطعت من تركيا”، وأن حلب والموصل “جزء من المجال التاريخي التركي”، وأن التخلي عن هذه الحدود جاء نتيجة “قرارات قسرية” من القوى الأوروبية.

أما أردوغان، فهو لا يطالب بضمّ أراضٍ، لكنه يستخدم لغة تشير إلى “الحدود العاطفية” أو “الحدود التاريخية”، وأحيانًا يذكر الميثاق الوطني لإثارة الحس القومي داخليًا. وعند التدخل في شمال سوريا قال مسؤولون أتراك: “هذه المناطق جزء من حدود الميثاق الوطني”.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن هذا “الميثاق الوطني” لا يُشكّل أساسًا لتركيا لضم مناطق جديدة، لأن الوثيقة ليست معاهدة دولية ولا تحمل وزنًا قانونيًا اليوم. فالحدود النهائية رُسمت في معاهدة لوزان المعترف بها دوليًا. وأي مطالبة بضمّ أراضٍ تُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

لكن لماذا عاد “الميثاق الوطني” للظهور بعد 2011؟

الحرب السورية أعادت فتح ملفات تاريخية كانت “راكدة”، أبرزها العلاقة العثمانية–السورية والحدود المرسومة بعد لوزان. وفي هذا السياق استثمرت بعض التيارات التركية الميثاق الوطني لثلاثة أسباب رئيسية:

أولًا: إعطاء شرعية تاريخية للتدخل العسكري

عندما تدخل الجيش التركي في جرابلس والباب وعفرين وتل أبيض ورأس العين، ظهر خطاب يقول إن “هذه المدن تقع ضمن حدود الميثاق الوطني”، أي إنها ضمن “المجال التاريخي” الذي كانت تراه الدولة العثمانية امتدادًا طبيعيًا لها.

ثانيًا: مواجهة النفوذ الكردي بخطاب قومي

إذ يسمح الميثاق بإطار تبريري يجعل التدخل يبدو وكأنه “استعادة دور تاريخي” وليس مجرد مواجهة لـ YPG/PKK.

ثالثًا: مخاطبة الجمهور القومي داخل تركيا

تصاعدت النزعة القومية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وأصبحت الحكومة بحاجة إلى تعبئة الحركة القومية وتبرير تحركاتها خارج الحدود.

وقد صرّح أردوغان أكثر من مرة قائلًا:

“لا يمكن أن نتجاهل الموصل وكركوك وحلب، فهي ضمن حدود الميثاق الوطني”،

“لدينا مسؤولية تاريخية تجاه هذه المناطق”.

وبذلك يصبح التدخل في سوريا مفهومًا لدى الرأي العام التركي كعمل “داخل نطاق الأمن التاريخي”.

كما تم الربط بين اللاجئين السوريين والعمق العثماني، فبعض المسؤولين روّجوا لفكرة أن “تركيا تستقبل السوريين لأنها تعتبرهم جزءًا من فضائها التاريخي، فهم من أهل الميثاق الوطني”.

مستقبل حلب ليس محددًا بحتمية واحدة، فالمدينة قد تستقر تحت إدارة مركزية وتعاود الحياة تدريجيًا، أو تبقى مقسمة فعليًا مع نفوذ تركي في ريفها الشمالي، أو تواجه موجات اضطراب أمني تعرقل التعافي. والعامل الحاسم هو كيفية توازن القوى الإقليمية والمحلية خلال السنوات المقبلة، ومدى نجاح برامج إعادة الإعمار واستعادة الخدمات.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى