تحليلات سياسيةسلايد

هل ستنهي «الصفقة» نفوذ إيران في المنطقة؟

بدأت الجمعة، إجراءات التمهيد لجولة مفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

نقلت طهران المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عُمان، والأغلب أن الحسابات الإيرانية تتعلق بأن تركيا، البلد المجاور الرافض للتدخلات الإسرائيلية ودعاوى إسقاط النظام في إيران، هو، في الوقت نفسه، عضو مهم، في الحلف الأطلسي، ومنافس إقليمي لطهران على الكثير من الملفات الجيوسياسية. عُمان، في المقابل، هي الدولة القريبة على الطرف الآخر من الخليج، التي تمتلك تاريخا طويلا من الحياد الإيجابي والقدرة على التوسط الناجح، والتي احتضنت، الكثير من المفاوضات الأمريكية – الأوروبية مع إيران. أحد التفسيرات الممكنة الإضافية لهذا الانتقال الجغرافي – السياسي أن المفاوضات ستتطرق لقضايا حساسة سياسيا وعسكريا وأمنيا، وأن طهران تريد، في هذه المقامرة الخطيرة جدا، التي تختزلها هذه المفاوضات، أن تبقي أوراقها مخفية بقدر الإمكان.

صار معلوما، في المقابل، أن الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، والعالم، بمنطق الصفقة، في إحالة لاسم كتاب شهير صدر باسم الرئيس دونالد ترامب، وهو السبب الذي يختار لمفاوضاته أمثال ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوماس باراك، وهم جميعهم من المقربين شخصيا إليه، إضافة إلى كون خبراتهم تشكلت من عالم الشركات الضخمة وصفقات العقارات.

في السعي إلى إنجاز “الصفقة” المرتقبة تراهن واشنطن على الأساطيل التي تم حشدها استعدادا لهجوم كبير تم التهديد به أكثر من مرة، وعلى الخسائر الكبرى التي منيت بها طهران، ضمن تداعيات عملية “طوفان الأقصى”، بدءا من الضربة التي تعرّض لها برنامجها النووي، ومنظومة صواريخها الباليستية والدفاعية، خلال الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك في 22 حزيران (يونيو) 2025، ومرورا بتعرّض حليفها الاستراتيجي، “حزب الله” اللبناني، لضربات إسرائيلية قاصمة أودت بقياداته العسكرية والسياسية وعدد كبير من كوادره وأعضائه مما أدى لوقف إطلاق النار في تشرين ثاني (نوفمبر) 2024، وما تلاه بعد ذلك في سوريا مع سقوط نظام بشار الأسد، في 8 ديسمبر (كانون أول) 2024، فخسرت بذلك قواعدها العسكرية والسياسية واضطرت للانسحاب من البلاد.

إلى هذه الخسائر الخارجية الجسيمة التي تعرض لها النفوذ الإقليمي لإيران، حصل تصدّع عميق في المجتمع الإيراني مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 28 كانون أول (ديسمبر) العام الماضي، على خلفية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، ولم تخمد هذه الاحتجاجات الواسعة إلا بأعمال قمع شديد كانت الأكثر دموية في تاريخ إيران المعاصر.

لخّص وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تفاصيل النزال الدبلوماسي المرتقب بين واشنطن وطهران والعناصر التي سيتم التفاوض عليها بقوله إن المحادثات لابد أن تشمل، إلى جانب النزاع النووي، مدى صواريخ إيران الباليستية و”تعاملها مع شعبها”.

إلحاح طهران على قصر المفاوضات على البرنامج النووي وعلى أن البرنامج الصاروخي “غير مطروح للنقاش”، يعني، بطريقة غير مباشرة، أنها مضطرة لهذه المفاوضات، وأن التفاوض قد تجاوز ضمنيا برنامجها النووي، وهي الآن في حالة الحفاظ على الأولويات التي تبقي على النظام.

ضمن هذه الأولويات، ومع هذه الإدارة الأمريكية الحالية، فعلى الأغلب ألا تلجأ القيادة الإيرانية إلى المزيد من المراهنة على سياسة “حافة الهاوية” وأن تسعى جاهدة إلى إبعاد الأخطار الجسيمة التي يمكن أن يتعرض لها النظام (وخصوصا بعد الاحتجاجات الشعبية الكبيرة) في حال حصول ضربة أمريكية.

يبدو التخلّي عن المشروع النووي، في هذه الظروف، نهاية لحلم وجود إيران ضمن “نادي الأقوياء” على مستوى العالم، أما مشروع الصواريخ الباليستية، فهو يمثّل، إضافة إلى الميليشيات الموالية لها في المنطقة العربية، ذراعها ضمن منطقة الشرق الأوسط، ونفوذها الإقليمي. لقد خسرت إيران، عمليا، مشروعها العالمي، فهل ستخسر أيضا نفوذها الإقليمي؟

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى