كتب

يسري الغول يتناول في ‘غزة 87’ العلاقات الجسدية

عندما يتم تناول العمل الأدبي في جلسة واحدة، فهذا مؤشر على أنه سلس وسهل التناول، فقد أستطاع السارد جذب المتلقي من خلال جعل كل شخصية تتحدث عن نفسها بكل حرية، ودون أي تدخل منه، بمعنى أن الشخصيات هي من تروي الرواية، وما دور السارد سوى ترتيب الأدوار.

اللافت في الرواية أن الشخصيات النسائية، اليهودية والفلسطينية كن شبقات جنسيا، ومارسن الجنس دون ضوابط، وما يردنه من هذا الفعل هو المتعة أو إسقاط بعض الرجال أو الانتقام كحال “سارة” التي انتقمت من “ديفيد” بواسطة “عادل”.

ونلاحظ أن الشخصية الفلسطينية قدمت بصورة إيجابية، رغم أنها خضعت لرغبات وتهديدات “سارة” إلا أنها تجاوزت فعل الجنس وما يترتب عليه من تهديدات، وشاركت في مقاومة الاحتلال حتى أن بعضها استشهد أثناء المقاومة، ولم تقتصر قوة الفلسطيني على عدم الخضوع للتهديدات، بل تعداه إلى عدم القبول بالترغيب والمحفزات التي عرضت عليه وكان حاسما في موقفه، على النقيض من “سارة” التي كانت تتخذ الموقف حسب نزواتها ومزيجها.

كما نجد حيادة السارد حينما قدم “ديفيد” بصورة إيجابية، مؤكدا أن هناك شخصيات وجدت في دولة الاحتلال وهي غير راضية بما تقوم به، من هنا نجد موقفه وطريقة تفكيره موضوعية وصائبة، وما قراره بالرحيل إلى الولايات المتحدة إلا نتيجة قناعته بأن هذه الدولة غير سوية، وتمارس العنصرية والاضطهاد والقتل وكل الجرائم بحق شعب آخر، ولا مكان لها في منطقة مضطربة ودائمة الاشتعال.

الجنس بين “عادل وسارة

“عادل” الشخصية المحورية في الرواية، يحدثنا عن “سارة” وكيف جاءته لتنتقم به من حبيبها “ديفيد” الذي تركها وذهب إلى الإثيوبية “ميري”: “أصل بيتها لأنقل الأغراض الموجودة في الطابق السفلي، أتمتم لنفسي: أنها أرحم بكثير من الإسمنت… تدخل علي فجأة، وقد تحللت من ملابسها عدا شورتها الجينز الأزرق، وحمالة صدرها الحمراء، تحتضنني، تكويني بنار لم أذق طعمها، أبتعد عنها، أفر من أمامها، أقول لها بإنجليزية ركيكة  nono… لكنني أتهاوى سحيقا… ألثم جسدها، أقاتلها، أنتقم من هويتها بفحولتي، أموت على أعتاب وطني، هل خنته أم انتصرت له؟… أفجر غضبي وجسدي يتعرق بكثرة” ص16 و17.

نلاحظ أن “عادل وسارة” يريدان الانتقام، الأول بعد أن (سلم واستسلم) للمرأة اليهودية أراد أن ينتقم لوطنه، لكونه محتلا من خلال ممارسة الجنس مع يهودية، فرغم أنه يقوم بفعل فردي، ويحصل على المتعة واللذة، إلا أن الوطن كان حاضرا أثناء ذلك، وكلنا يعلم فكرة العربي عن المرأة والجنس، فقد فعل ما ينكس (رأس دولة الاحتلال وكل المحتلين) بفعل الجنس مجندة، بينما “سارة” أرادته لذاتها فقط، فلا يهممها لا دولة ولا وطن، وكل ما تريده هي أن تنتقم من “ديفيد” بهذا العربي (الوضيع).

هذه المفارقة بين الشخصيتين هي اللافتة والمثيرة، فرغم أنهما قاما بعين الفعل، إلا أن دوافع وأهداف وغايات كل منها تتخلف عن الآخر، من هنا عندما يأتي “ديفيد” إلى شقتها لأخذ أعراضه وحاجاته، تصف المشهد بهذه الشكل: “بصقت على الأرض ثم دخلت دون أن أشعر بأني أمتشق يد عادل معي كبندقية معطوبة، ظللت أبحث عن أشيائه كلها ثم ألقيت بها من شباك الغرفة دون أن يغضب، لعنته وهو ينحني يلملم أشياءه” ص 76، وصف “عادل” بالبندقية المعطوبة دلالة على أنها تنظر إلى الفلسطيني نظرة دونية، وما رميها لأغراض “ديفيد” إلا تأكيدا على اضطرابها وعدم اتزانها، وأنها أرادت من “عادل” أن يكون وسليتها للانتقام، رغم أن هذا الانتقام لا يتناسب وحجم غضبها على من تركها وذهب إلى الإثيوبية “ميري” التي تعدها أقل شئنا ومكانة منها.

وفي مشهد ثاني يحدثنا “عادل” عن “سارة” وكيف حضرت عارية، إلا أنه يطلب منها: “فأطلب منها أن تلبس بزتها العسكرية…. أقضم صدرها وأسكب مائي على ملابسها الخائنة، وبعدما أنتهي أمسح شيئي بقبعتها العسكرية منتشيا أنني انتصرت لفلسطينيتي” ص 75، وهذا يؤكد أن أهداف الجنس عند “عادل” غيره عند “سارة” وأن (البعد الوطني) وكونه محتلا كان حاضرا أثناء الجماع.

الجنس عند ميري وديفيد وجيزيل

“ديفيد” يهودي من أوروبا الشرقية، لكنه لا يحمل أفكارا عنصرية تجاه الفلسطينيين، ويعاملهم بطريقة إنسانية، فسبب تركه “سارة” وهجرته إلى “ميري” ناتج عن طريقة تفكيرها العنصرية، حتى أنه لم يستطع استمرار علاقته معها، رغم أنها تحبه وتريده، وما توجهه إلى “ميري” السوداء إلا نتيجة قناعته أن الإنسان إنسان، بصرف النظر عن لونه أو ملته، فهو يمارس الجنس للمتعة، وليس لشيء آخر.

و”ميري وجيزيل” كحال “سارة” شبقات جنسيا، وتمارسانه بقوة ومتعة: “… يحللني من ملابسي قطعة قطة، وهو يقضم جسدي حتى ذبت، وسائل لزج يسيل فتخرج معه آهاتي وآلامي” ص 62، هذا ما تحدث به “ميري” عن نفسها وهي تجامع “ديفيد”.

أما “جيزيل” يحدثنا “ديفيد” عن جراءتها وشبقها: “صار قلبي يدق وجسدي يتعرق كلما مررت جيزيل يدها على بنطالي وهي تتحدث عن ميري،… هذه الفتاة الشبقة لا تعرف غير أنها بحاجة لفحل وجدته فيّ هذه الليلة، انزلقت يدها نحو شيئي، وتحسسته حتى ألأنتفض رغم أنفي” ص 70، نلاحظ أن مشهد الجنس هنا (عادي) ليس له أية دوافع انتقام، لا من المرأة لا من الرجل، فبدا المشهد عاديا، الغاية منه تكملة بناء الرواية.

وعن النساء اليهوديات وما يحتجنه من الجنس، يحدثنا “عادل” عن هذا الأمر بقوله: “تستوقفنا السيدات عند “التاحانا” لاختيار ذوي الجسد اليافع والقوي، يذهبن بنا نحو بيوتهن تحت حجة إصلاح بعض الأشياء هناك أو العمل على ترميم جدران متهالكة حتى نمارس الرذيلة معهن رغم أنوفنا، ولقد واقعت أكثر من كرة سيدات لا يأبهن بالعمل بقدر ما يأبهن بجسدي، وكنت كلما انتهيت تأتيني تلك السيدة بملابس فاتنة لأمارس معها نزوتي، تغتصبني رغم أنفي من أجل المال” ص 72، أعتقد أن تركيز السارد على تقديم النساء بهذا الشكل له علاقة (بتبرير) ما يفعله العامل الفلسطيني في أرضيه المحتلة، فهو مجبر للحصول على من يسد به رمق عائلته، حتى لو كان من خلال الرذيلة، فهو بحاجة إلى المال.

ونلاحظ أن “عادل” يحاول تبرير فعلته من خلال استخدامه “تغتصبني رغم أنفي” وكأنه لا يريد هذا الفعل، وما قيامه به إلا للحصول على المال كالأجرة.

زوجة أب بكري

هي زوجة أب، تعامل “بكري” ابن زوجها بطريقة قاسية، تضربه، تعنفه، تحتقره، تجبره على العمل رغم أنه طفل: “تأكل مع أولادي يا ابن القحبة.

وانهالت علي ضربا، خنقتني لأتقيأ كل ما في جعبتي من حياة، فعلت وقد أغمي عليّ.. أنت نجس ومن نطفة نجسة يا ابن الحرام” ص 30، لكن بعد أن يشب “بكري” ويضعف والده ويصبح غير قادر على إشباع حاجتها من الجنس، تحاول أخذه من “بكري” ابن زوجها: “جاءتني تلك الليلة؟ داعبتني حتى وصلت شفاهي وأنا متخشب على سريري في المنزل، وحين استيقظت وجدتها تداعب جسدي، فنفضتها ولكنها لم ترتدع، كأن أبي لم يعد ذلك الثور الذي يشفي غليل روحها وجسدها” ص 53، هذه المرأة الشاذة في المجتمع الفلسطيني، لم يقتصر شذوذها على فعل الحرام فحسب، بل طال فكر الخيانة أيضا، حيث يتأكد “بكري” من أنها تقوم بالتجسس على المقاومين لصالح الاحتلال، فيقوم بقتلها بعد أن يعطيه التنظيم قرارا بذلك.

فالدوافع بين ممارسة الرذيلة من قبل النساء اليهوديات والفلسطينيات يختلف كثيرا، فاليهوديات يسعين وراء المتعة بشكل أساسي، وفي حالات معينة يقمن به لإسقاط الفلسطيني ليكون تحت أمرة المخابرات الإسرائيلية، بينما الفلسطينيات يقدمن عليه للإيقاع بالفلسطيني، وإن حصلت على المتعة فإنه يأتي من باب (زيادة الخير) من هنا تم تصفية زوجة أب “بكري” وبطريقة قاسية جدا.

الجنس وسيلة إسقاط

تم تناول الإسقاط بواسطة الجنس بشكل وافي في رواية “زغرودة الفنجان” للأسير حسام شاهين، وها هو يسري الغول يتحدث عن هذا الأمر بطريقة مغايرة، بطريقة أراد بها أن يقول عندما يكون الإنسان قويا يستطيع أن (يلغي/يصد/يمحو) هذه الوسيلة ويجعلها غير مجدية: “وبعد انتهاء العلاقة الجسدية بينهما، قاموا بالكشف عن تصوريهم لتلك الواقعة، طالبين منه التجسس على المعتقلين داخل السجن، وإلا فإنهم سينشرون الفيديو، فما كان من الشاب إلا أن صرخ بأعلى صوته على رفاق السجن بالأسماء، وهو يقول أمام الضابط إنه مارس الجنس مع تلك اليهودية بطريقة مضحكة وأنه استطاع أن يجعلها تنام تحته ويسقط الاحتلال بين قدميه، صرخ أنه لا يريد أن يصبح خائنا بسبب ورطته تلك، الأمر الذي جعل الجنود يركلونه بأقدامهم حتى تناثر الدم من أنفه وفمه” ص 102، هذه المرة الثالثة (روائيا) التي استطاع الفلسطيني أن يقف بوجه المحتل ولا يخضع للتهديد بنشر صور أو فيديو جنسي، فبعد رواية “الشهيدة” لهيثم جابر، ورواية “العناب المر” لأسامة مغربي تأتي رواية “غزة 87” لتؤكد أن الإنسان القوي يستطيع أن يتحمل تبعيات الفضيحة، ولكنه لا يستطع ولا يقدر ولا يقبل أن يكون خائنا لوطنه ولشعبه، من هنا يتم الحديث عن علاقة “عادل بسارة” أكثر من مرة ويبقى “عادل” مقاوما صلبا يواجه المحتل، وبعد أن يؤسر يرفض أن يعطي معلومة واحدة للمحتل.

الرواية تقدم الفلسطيني بصورة إيجابية، فليس هناك شخصيات سلبية سوى أبا بكري وزوجته، وبقية الشخصيات الفلسطينية جاءت بصور إيجابية أو عادية، يتحدث “عادل” مع “سارة” بعد أن طلبت منه الزواج منها والهجرة إلى بلجيكا، لكنه يرد عليها بمنطق عقلاني، متفهما اندفاعها نحوه وأسبابه: “ـ أنت إسرائيلية وأنا فلسطيني ضعيف، أنت يهودية وأنا مسلم، أنت تحبين ديفيد وأنا أحب الحياة ولا رغبة لدي بالتعلق بك أو أي امرأة أخرى.

… بأي صفة تريدنني؟ هناك كثيرون يتوقون لممارسة الجنس، بإمكانك الاستعاضة بهم عني، لقد جئت من أجل المال يا عزيزتي، عليك إدراك ذلك” ص77 و78، نلاحظ أن “عادل” يعرف شخصية “سارة” وقادر على تحليلها والوصول إلى دوافع علاقتها معه، فعندما صارحها بأنها ما زالت تحب “ديفيد” أكد أنه شخص متفوق عليها رغم أنه عامل بسيط وينتمي لشعب (ضعيف) بينما هي متعلمة، وتنتمي لدولة قوية ومهيمنة على المنطقة، فرفضه لطلبها يبين أن قوة الإنسان تكمن في قدرته على اتخاذ القرار، وعدم الانزلاق للغريزة أو للشهوة أو التفكير بالمكاسب الشخصية، فالبعد الوطني/ القومي يكون ملاذا للإنسان السوي والقوي.

وبعد اعتقال “عادل” يحاول ضابط المخابرات استخدام علاقته بـ”سارة” ليخضع للاحتلال: “ـ سنجد كل ما نريده، فمن يعرف علاقتك بسارة ولقاءاتكما الغرامية وتسهيلات اللجوء إلى بلجيكا والاتصال الأخير قبل يومين بينكما وحديثكما من قبل مع إبراهيم سيعطينا كل ما نريده، هل تفهم ذلك يا عزيزي.

ـ لقد أخبرتكم: لن تجدوا عندي أي إجابة، فلا تضيعوا وقتكم معي. لأكثر من ثلاثين يوما تحت التحقيق، وبعد الفشل الذريع في الحصول على أي معلومة تخص التنظيم أو أي من أفراده، تم احتجازي إداريا بتهمة الانتماء إلى تنظيم يتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية” ص 165، بهذا الشكل الإيجابي تم تقديم الفلسطيني، وما انعكاس صورة القوة والصمود على القارئ الذي وجد أملا، شيئا يفتقده الآن، إلا إحدى العناصر التي ساهمت في تسهيل تناوله للرواية ولأحداثها، رغم ما فيها من فحش ومشاهد (فاضحة).

اليهود الإيجابي

الموضوعية سمة في الأدب الفلسطيني، فهو لا يغلي بزيادة أو نقصان في تناوله للأحداث وتقديم الشخصيات، من هنا نجد “ديفيد” يقدم بصورة اليهودي الإيجابي، حيث نجده محايدا وموضوعيا في تناوله للفلسطيني، يتحاور “ديفيد وسارة” حول طبيعة الصراع في فلسطين فيقول:

“ولكنني أعتقد أننا غزاة، جئنا بعد أن تعرض أجدادنا للقتل في أوروبا وتم حرقهم بلا رحمة.

ـ ديفيد!

ـ نعم، هي ليست أرضنا، فقد جاءت أسرتي من روسيا وغيرنا جاؤوا من بولندا وفرنسا والمغرب وتونس وإثيوبيا وصرنا هنا فوق تراب ليس لنا حق فيه” ص 60، ما يحسب لهذا الكلام أنه جاء على لسان “ديفيد” نفسه، وليس من خلال السارد، ومن خلال حوار، بمعنى أن هناك أكثر من وجهة نظر، وهذا ما يجعل موقف “ديفيد” موقف مبنى على قناعة وإيمان وليس رد فعل.

من هنا يقرر ترك دولة الاحتلال نهائيا: “لقد قررت السفر إلى الولايات المتحدة وأنتهى الأمر… سأغادر بلا عودة” ص 160، اللافت أن إيجابية ديفيد أنها لم تقتصر على القول والفكر فحسب، بل طالت أيضا الفعل، وبرحيله من البلاد أنهى بشكل قاطع ومطلق أي عداء بينه وبين الفلسطيني صاحب الأرض، وهذه النهاية السعيدة لديفيد أعطت القارئ فسحة من الأمل لخلاص فلسطين من محتليها، وأوجدت مساحة من الفرح/الأمل فيه مما أسهم في إحداث المتعة له، وهذا ما أسهم في سهولة تناول الرواية.

الرواية من منشورات دار ميم للنشر، الجزائر، الطبعة الثانية، 2021.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى