
نحن جميعاً وقعنا في المحظور، فما من واحد منا إلاّ ويمضي قسطا من يومه، وهو يتابع مايقدم إليه على وسائل التواصل، أي أننا نحدق في شاشات الخليوي والكمبيوتر أكثر ممن نحدق في الحياة التي تجري من حولنا .
غابت الجلسات الحميمية مع الأهل والأصحاب، غابت الحوارات الحماسية التي تجري حول الشؤون العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، غابت ثرثرات العشاق في شوارع المدينة.
تحول كلُّ شيء إلى الشبكة العنكبوتية وأدواتها، فإذا كنت تريد رأيا يهمك تجده هناك، وإذا كنت لاتريد رأياً تريد مهاجمته يمكنك أن ترد مباشرة، وإذا أردت حضور فيلم سينمائي ، تقدمه لك الشبكة، وحتى إذا أردت أن تندمج مع صوت أم كلثوم أو عبد الوهاب من السهل أن تسمعه على ماصنعه العنكبوت الإلكتروني ..
شيء يشبه السحر ، لكنه ينذر بكارثة!
الأسرة تجلس عند المساء، وبعد أن تتناول الطعام، وربما خلاله، يوجه أفرادها اهتمامهم لجهاز سحري اسمه (الموبايل) تتابع محتوياته على مدار الساعة، ولا يتأفف..
رواد المقاهي يجلسون في المقاهي من دون ضجيج، وكأنهم مصابون بالتوحد، فكل منهم يتابع جواله، ولا يهتم بما جري حوله، كذلك الموظفون في أعمالهم ينشغلون عن العمل والإنتاج بالجوال اللعين أو بالكمبيوتر المخصص للعمل، فيدخلون إلى حيث لايفيد العمل والإنتاج .
حتى الكتاب انكفؤوا عن القراءة والكتابة، وانخرطوا في اللعبة، ودخلت الصحف والكتب والروايات والقصص في غيبوبة طويلة.
الخوف يتصاعد، فيضيّق على هوية الإنسان في وطنيته وفكره وثقافته ووعيه، وحتى جسده . أما على الصعيد السياسي، فيكفي أن نقرأ آخر التقارير التي أفادت أن أكثر من عشرين ألف موقع وصفحة على وسائل التواصل تعمل ليل نهار على التحريص وإثارة الفتن في سورية، والغريب أن نسب متابعتها كبيرة جدا .
ما هذا البلاء الذي يغزونا ونعيشه من دون تأفف ؟!
الأطباء يتحدثون عن أمراض جديدة تنتشر بسرعة وتزداد يوما بعد يوم ، أمراض الرقبة، والظهر، والعينين، وأعصاب الأصابع والرسغين، وحذر أحد الأطباء من أن الأمراض التي تسببها وسائل التواصل تشبه الوباء يزداد وينتشر من دون محاذير ..
والأخطر أن طبيبا آخر توقع أن يتحول (الحَوَل) إلى ظاهرة في الأجيال الجديدة، لأن تركيز البصر على نقطة واحدة، يغير مع الزمن توازن الرؤية في العينين وشكلهما، ويتقارب البؤبؤان إلى درجة ملحوظة تفقد الوجه أحد أهم مرتكزات جماله.
يعني سيصح (الحَوَل) عاماً والعياذ بالله ..
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



