كتب

الثقافة كجهاز نقدي عندما تنهار البنى في رواية ‘ضوء السعادة’

وليد الأسطل

إريك إيمانويل شميت يعود إلى اليونان القديمة ليعالج أسئلة العيش المشترك، والحقيقة، والسلطة، والرغبة؛ حيث يقدم الثقافة كشرط للبقاء، ويفضح آليات السلطة القائمة على الخوف، ويدعو إلى فهم الديمقراطية كـ ‘ممارسة شاقة’ تتطلب تربية على الجدل والانتباه.

 

في الجزء الرابع من مشروعه الروائي عبور الأزمنة، يختار إريك إيمانويل شميت أن يعود إلى اليونان القديمة، لا باعتبارها متحفا للذاكرة، ولكن باعتبارها فضاء تأسيسيا تشكّلت داخله أسئلة الإنسان الأولى حول العيش المشترك، والمعنى، والسلطة، والرغبة، والحقيقة. لا تقدم رواية “ضوء السعادة” La Lumière du bonheur الماضي على هيئة زخرفة سردية، وإنما تحوّله إلى أداة نظر، وإلى جهاز نقدي يسمح بتفكيك الحاضر عبر مسافة تاريخية منتجة للفهم.

من جزيرة ليسبوس، حيث تقيم صافو بوصفها رمزا لعلاقة عضوية بين الفن والجماعة، يبدأ النص في تشييد أطروحته الأولى: ليست الثقافة ترفا، وإنما شرط بقاء. الغناء، الرقص، التنفس الجماعي، كلّها أفعال تؤسّس لشكل من الاجتماع الإنساني قوامه الإيقاع والانسجام. في عالم معاصر مثقل بردود الفعل السريعة، ومشدود إلى منطق الإثارة الدائمة، يستعيد هذا المشهد قيمة الطقس الثقافي باعتباره تمرينا على الإصغاء والتشارك. لا يزيّن الفن هنا الحياة، إنه يمنحها القدرة على الاحتمال.

غير أن هذا الضوء لا يظهر إلا وهو محاط بظل كثيف. فالسياسة، كما يصوّرها النص، تتسلل إلى العلاقات الحميمة، وتعيد ترتيب الانتماءات، وقد تنتهي إلى النفي وكسر الأصوات. تكشف اليونان القديمة عن وجه مألوف للسلطة: الارتياب، التحكم في الكلام، تحويل الخوف إلى أداة حكم. يضع هذا البعد الرواية داخل أفق نقدي واضح، يدافع عن القانون، ويشدّد على حماية الهشاشة، ويفضح آليات الإغواء الخطابي التي تتخفّى في لباس الشعبية.

تتكثف الأسئلة في أثينا. تعجّ الأغورا بالكلمات، وتملك الخطابة سحرها الخاص، غير أن الرواية ترسم حدا فاصلا بين من يقود المدينة بوصفه خادما للصالح العام، ومن يتخذها مسرحا لتضخيم ذاته. يعترف الأول بالمؤسسات وبالمعرفة، ويقتات الثاني على الضجيج الذي يصنعه. تمنح هذه التفرقة النص راهنية لافتة، إذ تُعيد تعريف الديمقراطية باعتبارها ممارسة شاقة، تتطلب تربية على الجدل، واحتراما للإجراءات، وصبرا على الزمن الطويل. لا يُدار النقاش بالأوامر، ولا تُستخرج الحقيقة بالتصفيق.

ولا يمكن للعودة إلى اليونان أن تتجاوز سقراط، لا كشخصية تاريخية فحسب، ولكن كنموذج تربوي يعلّم إعادة توجيه الرغبة. التعلم السقراطي، كما يعرضه النص، هو انتقال من سطح اللذة إلى عمق الخير، ومن السرعة إلى الدقة. لا تُفهم السيطرة على الذات كقمع، بل كتحرر من التشتت. في سياق اقتصادي وثقافي يقوم على تحفيز الدوافع الفورية، تكتسب هذه الفكرة قوة صادمة. لا تنفصل الحرية عن الانتباه، ويحتاج الانتباه إلى تعاون لغوي يعيد الاعتبار للتمييز والدقة.

ويتوقف النص عند الجسد، لا كموضوع استهلاكي، وإنما كمجال تربية أخلاقية. يظهر المسرح والرياضة بوصفهما فضاءين مزدوجين: تدريب على القياس واحترام الحدود، مع خطر الانزلاق نحو الاستعراض والنرجسية. تفتح هذه الازدواجية باب المقارنة مع عصر الأداء المفرط، حيث تُختزل القيمة في النتيجة، ويُهمّش المسار. تقترح الحكمة اليونانية، هنا، ثقافة احترام الحدود كضمان للاتزان.

ومع اندلاع حرب البيلوبونيز، يتصدع البناء. لا تدمّر الحروب الجدران فقط، ولكنها تفكك الأطر الرمزية التي تمنح المجتمعات تماسكها. يصبح السؤال الذي يطرحه النص وجوديا: ما الذي يصمد حين تنهار البنى؟ لا يأتي الجواب في صيغة شعارات، وإنما في تعداد ممارسات قابلة للنقل: اللغة، التعليم، الضيافة، الفن. عناصر لا تعتمد على لحظة استثنائية، ولكن على إرادة يومية مقاومة للتآكل. في زمن الأزمات المتراكبة، يكتسب هذا الطرح بعدا إنذاريا.

من بين الأفكار الأكثر عمقا في الرواية تلك التي تربط قيمة المجتمع بجودة محادثاته. كان الكلام العمومي عند الإغريق مؤطرًا، مضبوطا بقواعد، مرتبطا بأمكنة وأزمنة محددة. يدعو النص، ضمنيا، إلى ابتكار أغورات معاصرة تناسب الفضاء الرقمي: ساحات نقاش متعلّمة، مُدارة، تُدرَّس فيها البلاغة بوصفها أداة بحث عن الحقيقة، لا وسيلة سحق للآخر.

قد لا يبدو هذا الجزء، للوهلة الأولى، الأكثر جاذبية ضمن السلسلة، غير أن التقدم في القراءة يكشف عن نص يعيد برمجة العادات الذهنية: تحسين اللغة شرط لتحسين القرار، تهذيب الرغبة مدخل إلى الحرية، إدماج الفن ضرورة للتماسك، ووضع الحدود سبيل إلى استعادة المعنى. لا تُقدَّم أثينا، في هذا السياق، كمدينة منتهية، وإنما كاختبار أخلاقي موجّه إلى القارئ المعاصر.

ويظل حضور الشخصيات الخالدة من الأجزاء السابقة (نوام، نورة، وديريك) خيطا سرديا يربط الأزمنة، ويذكّر بأن التحول الإنساني لا يتم دون عبور مسارات وعرة. هذا الجزء أكثر فلسفة من سابقيه، وأقل اندفاعا سرديا، غير أنه يراهن على قارئ مستعد للتفكير، لا للاستهلاك السريع.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى