مساحة رأي

اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية: التزام معلّق أم انتهاك ممنهج؟

عمار أحمد حامد

قضية مفتوحة أمام وزارة الثقافة والهيئة العامة السورية للكتاب

حين انضمت سوريا إلى اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية عام 2004، لم يكن ذلك إجراءً شكليًا أو لفتة دبلوماسية، بل التزامًا قانونيًا صريحًا أمام المجتمع الدولي، يُفترض أن ينعكس مباشرة على سياسات النشر والترجمة داخل المؤسسات الثقافية الرسمية. غير أن الواقع العملي يطرح، وبإلحاح، سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل جرى تنفيذ هذا الالتزام فعليًا؟ أم بقي معطّلًا خلف شعارات ثقافية عامة؟

علماً أنه بعد توقيع هذه الاتفاقية أحدثت في وزارة الثقافة مديرية ( حماية حقوق المؤلف)

تشير الوقائع إلى أن كتبًا صدرت دون الحصول على حقوق النشر أو الترجمة من أصحابها الأصليين أو من دور النشر المالكة للحقوق، في مخالفة صريحة لاتفاقية برن وللقانون السوري ذاته الذي أُقر ليكون أداة تنفيذ لها. ولا يمكن توصيف هذه الممارسات على أنها أخطاء إجرائية أو اجتهادات ظرفية، بل هي مخالفات قانونية مكتملة الأركان، لا تُبرَّر بالظروف الاقتصادية ولا بالذرائع الثقافية.

الأخطر من ذلك أن هذه التجاوزات لم تبدُ حالات فردية معزولة، بل جاءت ضمن سياق مؤسسي، ما يحوّل الانتهاك من فعل عابر إلى نهج عمل، ويجعل من سؤال المسؤولية سؤالًا مشروعًا: من قرر تجاوز الحقوق؟ ومن منح نفسه سلطة تعطيل التزامات دولية نافذة؟

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية وحدّة عند التوقف أمام مجلة «جسور» المعنية بالترجمة التي نرى شعاراً لها في صفحتها على الفيس بوك ( مجلة فصلية تعنى بالترجمة ودراساتها وبالثقافة العالمية)، الصادرة عن الجهة نفسها. فالمجلة، بحكم طبيعتها، تقوم أساسًا على نقل نصوص فكرية وأدبية من لغات أخرى إلى العربية، ما يضعها مباشرة تحت أحكام حقوق الترجمة والنشر التي تنظّمها اتفاقية برن بوضوح لا لبس فيه.

وهنا يحق للكاتب والمترجم والقارئ أن يسأل:
هل حصلت الجهة الناشرة لمجلة «جسور» على حقوق الترجمة والنشر للنصوص التي تصدرها؟
هل وُقّعت عقود قانونية صريحة مع أصحاب الحقوق أو الناشرين الأصليين؟
أم أن الترجمة ما تزال تُعامل بوصفها نشاطًا ثقافيًا مباحًا لا يحتاج إلى إذن، في تجاهل فجّ للقانون الدولي والقانون الوطني معًا؟

ومن المعلوم ، بل لنقل من البديهيات (أن يتم ذكر الحصول على الموافقة على الترجمة والنشر من الجهات التي تملك هذه الحقوق على الغلاف الداخلي للكتاب المنشور، أو أن يتم وضع حاشية في أسفل المقال الذي تمت ترجمته من لغة أخرى يذكر فيها أن المترجم أو دار النشر قد حصلت على الموافقة الخطية من المؤلف أو صاحب الحقوق!)

فالترجمة، وفق اتفاقية برن، ليست فعلًا تطوعيًا ولا مبادرة ثقافية حرة، بل حق حصري لصاحب المصنف، وأي ممارسة لها دون إذن قانوني صريح تُعد تعدّيًا واضحًا، مهما كانت الجهة التي تقوم بها، ومهما كانت صفاتها الاعتبارية.

اليوم، لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك مخالفات، بل:
لماذا لم تُناقَش علنًا؟ ولماذا لم تُحاسَب؟ ولماذا استمر هذا النهج دون مراجعة أو تصحيح؟

إن احترام اتفاقية برن ليس خيارًا ولا بندًا مؤجلًا، بل التزام نافذ. وأي تجاهل له هو خرق قانوني وأخلاقي يقوّض الثقة بالمؤسسات الثقافية، ويضع الثقافة السورية في موقع حرج أمام العالم، ويُفرغ الخطاب الثقافي من مضمونه الحقيقي.

فإما أن تكون الاتفاقيات الدولية التزامًا فعليًا،
أو يُقال بوضوح إن ما يُمارس ليس ثقافة… بل استباحة باسمها.

 

 

وانطلاقًا من هذا الواقع، يصبح الإيقاف المؤقت للعمل في مديرية الترجمة إجراءً ضروريًا لا تعسفيًا، إلى حين تسوية أوضاع حقوق الترجمة والنشر تسوية رسمية وقانونية واضحة، تتوافق صراحة مع اتفاقية برن والقانون السوري النافذ.

فاستمرار إصدار أي مؤلفات مترجمة، في ظل غياب اتفاقيات موثقة وشفافة مع أصحاب الحقوق الأصليين، لا يمكن اعتباره نشاطًا ثقافيًا مشروعًا، بل استمرارًا في إنتاج مخالفة قانونية مع سبق الإصرار. وعليه، فإن تعليق العمل مؤقتًا لا يُعد تعطيلًا للثقافة، بل خطوة تصحيحية تحميها من الوقوع في دائرة الانتهاك.

كما يقتضي هذا الإيقاف المؤقت:

  • وقف إصدار أي أعمال مترجمة جديدة.
  • مراجعة شاملة لكل الإصدارات السابقة من حيث حقوق النشر والترجمة.
  • الإعلان العلني عن آليات التعاقد والترخيص المعتمدة مستقبلًا.
  • إبرام اتفاقيات قانونية رسمية مع أصحاب الحقوق أو الناشرين الأصليين قبل استئناف العمل.

إن أي مشروع ترجمة لا يقوم على أساس قانوني واضح، هو مشروع مهدد في شرعيته ومصداقيته. أما تصحيح المسار، ولو متأخرًا، فيبقى أقل كلفة أخلاقية وقانونية من الاستمرار في الخطأ.

فإما احترام القانون والاتفاقيات الدولية،
أو تعليق العمل إلى أن يصبح هذا الاحترام ممكنًا وفعليًا.  خاصة أن سوريا تمر اليوم في مرحلة صعبة وحرجة في تأكيد مصداقيتها أمام العالم، لأنها دخلت عهداً جديداً حراً لا لبس فيه، فلا يليق بمؤسسات ثقافية فيها أن تنتهج نهج ( القرصنة) كما كان يفعل النظام السابق، وان نؤكد للعالم أننا نعيد التزامنا القانوني والأدبي والفني مع اتفاقية برن والعمل على تفعيلها. حتى لا يتم النظر إلينا على أن ثقافتنا هي ثقافة مقرصنة.

 

إن الإيقاف المؤقت هو إجراء تصحيحي ووقائي يهدف إلى:

  • حماية حقوق المؤلفين والناشرين الأصليين.
  • تحصين المجلة من الطعن القانوني.
  • إعادة الاعتبار لفكرة الترجمة بوصفها فعلًا معرفيًا مسؤولًا لا استباحة ثقافية.

فالثقافة التي لا تحترم الحقوق، تُفرغ نفسها من معناها،
والترجمة التي تُنجز بلا إذن، ليست جسرًا… بل قطيعة مع القانون.

 

 

وإذا كانت الهيئة العامة السورية للكتاب، في الماضي قبل التحرير، تقوم بقرصنة أعمال أدبية وفكرية دون الحصول على تصاريح قانونية لحقوق الترجمة والنشر إنسجاماً مع اتفاقية برن والتي وقعت عليها سوريا واقيمت ندوة في النكتبة الوطنية بدمشق عام 2004 حول حقوق المؤلف واتفاقية برن، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبإلحاح أكبر،  هو لماذا إذا جرى الإصرار على الاستمرار في إصدار كتب ومقالات مترجمة في عام 2025، أي بعد مرحلة التحرير، وبعد زوال الذرائع الاستثنائية التي كانت تُساق سابقًا؟

وإذا كان ما جرى في الماضي يُبرَّر – خطأً – بظروف قاهرة أو استثنائية، فما هو المبرر اليوم؟( خاصة بعد رفع قانون قيصر الجائر عن سوريا) وإن كانت تلك الممارسات قد أُقِرّ بها ضمنيًا، فلماذا لم تُتخذ خطوة تصحيحية حقيقية تُفضي إلى وقفها بدل إعادة إنتاجها بصيغ جديدة؟

فما الذي تغيّر فعليًا بعد التحرير؟
وهل جرى تصحيح المسار، أم جرى تجاهل الماضي والاستمرار في النهج نفسه، وكأن شيئًا لم يكن؟

إن هذه الأسئلة لم تعد شخصية ولا انفعالية، بل أسئلة مشروعة تتعلق بمصداقية المؤسسات الثقافية، وبمدى جديتها في احترام القانون والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة رسميًا.

فإما أن يكون ما سبق مرحلة انتهت وتمت معالجتها بشفافية ومحاسبة،
أو أن يكون الاستمرار في عام 2025 دليلًا على أن الخلل لم يُعالَج… بل جرى تطبيعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى