تحليلات سياسيةسلايد

تركيا متيقّنة بـ«الانتصار»: «تطهير» شمال شرق العراق تالياً

محمد نور الدين

يبدو أن تركيا لن تألو جهداً، خلال الوقت المتبقّي للهدنة الموقّعة بين الحكومة السورية الانتقالية و«قسد»، إلى ضمان استسلام هذه الأخيرة التامّ، وتمهيد الطريق للانتقال إلى مرحلة «تطهير» شمال شرق العراق.

 

تتصرّف تركيا على أساس أنها حقّقت انتصاراً كبيراً في سعيها إلى «تنظيف» سوريا من قوات «قسد»، وذلك بفعل الهزيمة القاسية التي تكبّدتها الأخيرة، بدءاً من حلب وصولاً إلى الرقة ودير الزور وكلّ أنحاء شرق الفرات، باستثناء كوباني (عين العرب) ومحافظة الحسكة. وإلى حين انتهاء أمد اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية الانتقالية و«قسد»، الذي تمّ تمديده لـ15 يوماً، تتسارع الجهود لإلزام الأكراد بتنفيذ بنوده، علماً أنه ينصّ على شيء من الحكم الذاتي في محافظة الحسكة، بما فيها القامشلي، وعدم دخول القوات الحكومية إلى القرى الكردية. مع هذا، لا تعبّر أنقرة عن أيّ قلق من عدم تطبيق بنود الاتفاق، بعدما بات الأكراد في موقع لا يحسدون عليه؛ فمن حلم دولة تمتدّ من الحدود العراقية إلى شاطئ البحر المتوسط، إلى مجرّد كانتون شكلي بالكادّ يمتدّ على مساحة مدينة أو مدينتَين، تقف الحركة الكردية في سوريا (والمنطقة) أمام مصير قاتم، خصوصاً بعد شطب المبعوث الأميركي، توم برّاك، «قسد» من القاموس.

ومع أن تبرير تمديد وقف إطلاق النار جاء بناءً على طلب الأميركيين، وضمناً الأتراك، لتسهيل عملية إخلاء عناصر تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق، تُظهر الوقائع أن السبب خلف ذلك، هو العمل على دفع «قسد» إلى الاستسلام في كوباني والحسكة أيضاً؛ إذ إن تركيا، ومن خلفها الولايات المتحدة، تعتقد أن قادة «الكردستاني» سيتحصّنون في الحسكة، وهو ما يوجب ترك الفرصة لقائد «قوات سوريا الديموقراطية»، مظلوم عبدي، لإقناعهم بمغادرة سوريا إلى جبال قنديل، ومن ثمّ تعيين محافظ كردي للحسكة، ونائب لوزير الدفاع. وفي حال لم يستجب عبدي لتلك التوقّعات، تصبح المواجهة حتمية مع القوات الحكومية، وربّما الجيش التركي الذي سيكون جاهزاً للتدخُّل العسكري عندها.

في هذا الإطار، تقول صحيفة «حرييات» إن أكراد سوريا بين خيارَين: «إمّا أن يندمجوا في الدولة السورية، أو أن ينسحبوا من منطقة عين العرب والقامشلي». وفي الحالتَين، تكون أنقرة قد حقّقت هدفاً مركزيّاً متمثّلاً في إزالة «الخطر الدائم» على حدودها الجنوبية. لكن الأمر لن يقف عند حدود ما تقدّم؛ إذ تعتقد تركيا أن قادة «الكردستاني» سينسحبون – في حال اضطرارهم – إلى مقرّ القيادة المركزية الرئيسة في جبال قنديل في شمال شرق العراق عند مثلث الحدود مع إيران وتركيا. ووفقاً للصحيفة، فإنه نظراً إلى الورطة التي سيجد قادة قنديل أنفسهم فيها في حال تمركزوا هناك، فإنهم يستبقون ذلك بتخريب عملية التوصّل إلى تفاهمات سلمية في سوريا خلال أسبوعَي تمديد الهدنة. ومع هذا، يقول عبد القادر سيلفي، الكاتب المقرّب من الرئيس رجب طيب إردوغان، إن «النور قد بزغ في نهاية النفق»، وإن بلاده «ستصل إلى هدفها: تركيا خالية من الإرهاب».

من جهته، يرى الخبير العسكري، تشاغلار أوزير، في حوار مع صحيفة «جمهورييات»، أنه «في حال احتفظت قسد بسلاحها، ولا سيما الثقيل منه ولم تستسلم وتحلّ نفسها، فإن سوريا لن تستطيع تأسيس سلام دائم ولا بنية موحّدة، وهذا مهمّ لتركيا، وستكون المعركة حاصلة لا محالة في الشمال السوري»، لافتاً إلى أن «دور قسد انتهى، والولايات المتحدة لم تَعُد بحاجة إليها»، معتبراً أن «انتهاء قسد يعني انتهاء قنديل؛ فالقيادة هناك لم يَعُد لها تأثير في حال دعت إلى النفير العام. لذلك، بعد عين العرب سيتمّ تدمير قنديل». وبحسب أوزير، فإن «استسلام قسد لا يعني خروج الجيش التركي من سوريا، فهو لن يخرج إلّا إذا تحقّقت الثقة والسلام». وفي الإطار نفسه، يشير الكاتب نديم شينير إلى أن الولايات المتحدة نزعت في اجتماع باريس (6 كانون الثاني) ورقة «داعش» كمبرّر لدعم «قسد» وسلّمتها إلى أحمد الشرع، مضيفاً أنه «كما باعت واشنطن زعيم الحزب عبد الله أوجالان عام 1999، وسلّمته إلى تركيا، فهي باعت قسد الآن، وبصدد بيع قنديل».

وفي الوقت ذاته، تضغط التطوّرات في سوريا وتراجع «قسد» هناك، على عملية حلّ المشكلة الكردية في تركيا، حيث يشعر الأكراد بخيبة أمل كبيرة تجاه الضرر اللاحق بأبناء عرقيّتهم في سوريا. وفي هذا الجانب، اعتبر رئيس «حزب الديموقراطية والمساواة للشعوب» الكردي، تونجير باقرخان، أنه «ليس انتصاراً لتركيا ما يتمّ تقديمه على ظهر آلام أكراد سوريا. إن التمزّق الداخلي لدى المجتمع الكردي في تركيا عميق وينمو بصمت وغضب»، مضيفاً: «لقد ذهبتُ إلى الحدود ورأيت، بصورة لم يسبق لي أن رأيتها طوال حياتي، الانكسار العميق في أعين الأكراد»، مندّداً بسياسة تركيا الخاطئة في سوريا والدعوات العلنية على الشاشات إلى قتل الأكراد وانتهاك شرفهم.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى