كتب

هكذا فرّغت الـ CIA الماركسية من مضمونها الثوري

سعيد محمد

يكشف غابرييل روكهيل في كتابه الجديد كيف هندست الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) «الماركسية الغربية» لعزلها عن الممارسة الثورية.

 

يكشف غابرييل روكهيل في كتابه الجديد كيف هندست الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) «الماركسية الغربية» لعزلها عن الممارسة الثورية. يبرهن المؤلف أنّ تحويل الماركسية إلى ترف أكاديمي يركز على الهوية واللغة كان مشروعاً إمبريالياً لتفريغ الصراع الطبقي من مضمونه المادي، وتدجين المثقفين ليكونوا حراس حدود أيديولوجيين يخدمون المركز الإمبراطوري

يُعد كتاب غابرييل روكهيل «مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربية؟» (Who Paid the Pipers of Western Marxism? ــــ دار ذا مانثلي ريفيو برس ـ 2025) استكمالاً فلسفياً وسياسياً للوثيقة التاريخية التي وضعتها فرانسيس ستونور سوندرز في «مَن دفع للزمار» (1999)، وأهم منجز تقني يتوافر لدينا لتفكيك البنية التحتية لأيديولوجيا يسار المركز الإمبراطوري.

تتجاوز أطروحة الكتاب نقد الأفكار لتصل إلى تشريح الاقتصاد السياسي لإنتاج النظرية، لتبرهن أنّ «الماركسية الغربية» لم تكن يوماً تطوراً معرفياً عضوياً، بل نتاج مشروع استراتيجي إمبريالي تمّت هندسته لضمان عزل الفكر الماركسي عن الممارسة الثورية المادية.

الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة؟

ينطلق روكهيل من منهج مادي متماسك يفترض أنّ الأفكار منتجات اجتماعية تتطلّب بنيةً تحتيةً للتمويل والترويج، ويكشف من هذا المنطلق وعبر بحث أرشيفي مثير للإعجاب والدهشة معاً كيف أنّ «وكالة الاستخبارات المركزية» (CIA) وواجهاتها (مثل روكفلر وفورد) أدارت عملية إحلال منهجي، استهدفت استبدال المادية التاريخية والجدلية بنماذج نظرية غامضة تركز على الثقافة واللغة.

هذا اليسار الخانع صُمِّم ليكون راديكالياً في الشكل وظهيراً للإمبريالية في الجوهر، عبر تبنّي نقد شمولي يضع الاشتراكية والرأسمالية في كفة واحدة، ما يخدم المصالح الجيوسياسية للمركز الإمبراطوري.

اعتمدت هذه الصناعة على تايلورية فكرية – نسبة إلى فريدريك تايلور – جزأت الوعي الماركسي الشامل إلى تخصصات أكاديمية مفتتة (سوسيولوجيا، جماليات، فلسفة)، ما حال دون إنتاج علم ثوري موحّد، وتم استخدام نظام المنح الدراسية والزمالات البحثية لترويض العقول الثورية وتحويلها إلى تروس في الماكينة الأكاديمية، حيث تُمنح الأولوية للأبحاث المرتبطة بالذاتية والهوية وتُهمش الأبحاث المرتبطة بعلاقات الإنتاج.

تفريغ الماركسية من مضمونها

يحدّد الكتاب أربعة مسارات تقاطعت على تفريغ الماركسية من مضمونها الثوري:

  1. 1. الانسحاب من الطبقة: تحويل التركيز من الموقع المادي للبروليتاريا وعلاقات الإنتاج إلى مسائل الهوية وعلم النفس، ما أدى إلى تذويب الصراع الطبقي في مهاترات ثقافية ثانوية لا تهدد بأي شكل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، أساس النظام الرأسمالي.
  2. 2. الانسحاب من نقد الإمبريالية: تبني رؤية مركزية أوروبية تجاهلت النهب المنظم للجنوب العالمي. اعتبر هذا التيار الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام وكوبا وكوريا انحرافات استبدادية، ما جعل المثقف الغربي يصطف موضوعياً مع السياسة الخارجية لبلاده تحت ذريعة الدفاع عن «الديموقراطية» ويصفق لإسقاط الأنظمة المعادية للهيمنة.
  3. 3. الانسحاب من المادية العلمية: استبدال المادية الجدلية بتيارات ظاهراتية ومثالية. حوّل هذا الانزياح الماركسية من أداة لتغيير الواقع إلى تمرين ذهني في التأويل، ما أفقدها صفتها كعلم للثورة والتغيير الاجتماعي.
  4. 4. الانسحاب من العقل والحقيقة: التمهيد لسيادة ما بعد الحداثة والعدمية الفكرية من خلال تصوير «الحقيقة» كمحض أداة للسلطة، على نحو جرّد الطبقة العاملة من إمكانية بناء بديل عقلاني شامل للنظام القائم.

عن «الأرستقراطية الفكرية»

يقدم روكهيل إدانةً قطعيةً لطبقة المثقفين في المركز الإمبراطوري، واصفاً إياهم بـ «الأرستقراطية الفكرية» التي تقتات على فائض القيمة المستخرج من الجنوب العالمي.

لعب هؤلاء المثقفون دور «حرس الحدود» الأيديولوجي. هناك مثلاً حالة المفكر اليهودي الألماني هربرت ماركوزه كنموذج لذلك المثقف الوظيفي؛ إذ أثبتت السجلات عمله المباشر مع أجهزة الاستخبارات الأميركية (OSS) في إعداد تقارير تهدف إلى تقويض المدّ الشيوعي العالمي. لقد كانت وظيفة هؤلاء المثقفين هي «الاحتواء الأيديولوجي»؛ أي امتصاص الاندفاع الثوري، وتحويله إلى نقد جمالي وثقافي معقد بعيد من ميادين الصراع المادي.

إنّ «فندق الهاوية» الذي انتقده المفكر الماركسي المجري جورج لوكاش صار مؤسسةً أكاديمية عالمية تروج للهزيمة التاريخية وتعتبرها حتمية نظرية. وعزز هذا التوجه «الماركسية الفرويدية» كأداة لتحطيم التنظيم الجماعي، عبر تحويل الثورة من فعل جماعي لتغيير نمط الإنتاج إلى رحلة بحث فردية عن التحرر من الكبت، ما يخدم غايات الرأسمالية الاستهلاكية تماماً.

تقويض التضامن الطبقي العالمي

يتوسع الكتاب في كشف آليات السيطرة عبر استغلال «النظرية» الفرنسية وكيف دعمت الاستخبارات الأميركية تيارات مثل الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية لكسر هيمنة الفكر الماركسي اللينيني في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه النظريات التي احتفت بالتشظي، ورفضت «السرديات الكبرى» كانت أداة مثالية لتقويض التضامن الطبقي العالمي.

إنّ إدارة فكر العالم تتم من خلال التحكم بـ«من يكتب» و «من يُنشر» و «من يُدعى للمؤتمرات». والهيمنة هنا تعمل كفلتر أيديولوجي يستبعد كلّ من يتمسك بالتحليل المادي الصارم أو التنظيم السياسي الثوري، ويرفع شأن من يغرق في التجريد اللغوي.

لقد تم تحويل الماركسية إلى سلعة فكرية ذات مضمون ثوري فارغ، على نحو يضمن بقاء السخط الجماهيري داخل أطر أكاديمية مسيطر عليها بالكامل. ولم يكن التمويل السخي للمجلات الراديكالية والمؤتمرات الفلسفية في باريس وبرلين ونيويورك في حقيقته إلا استثماراً في «الهزيمة الدائمة» لليسار.

يثبت روكهيل بما لا يدع مجالاً للشك بأن الإمبراطورية تهيمن عبر تكامل بين القوة الصلبة (الجيوش) والقوة الناعمة (الأكاديميا وصناعة الثقافة والإعلام)، ويشير إلى دور الرقابة الأكاديمية المؤسسية التي لا تعتمد على المنع الفج، بل على معايير مزعومة لـ «الإنتاجية العلمية» التي تمنح الأولوية للأبحاث النظرية المحضة وتهمش الأبحاث المرتبطة بالاقتصاد السياسي الميداني، على نحو يضمن استمرارية «الماركسية التي ترضى عنها الإمبراطورية» أنموذجاً مسيطراً.

تفكيك آليات عمل الهيمنة

ينتهي روكهيل إلى ضرورة استعادة «الماركسية العالمية» التي تلتحم بنضالات الشعوب في الصين، وكوبا، وفيتنام، وأفريقيا: ماركسية تعترف بالبناء المادي للقوة وبضرورة الدولة الاشتراكية لمواجهة التوحش الإمبريالي، ما يتطلب بالضرورة استدعاء متحرراً لمادية إنجلز وجدلية الطبيعة لإعادة ربط الماركسية بالعلوم الطبيعية والواقع المادي، بعيداً من الخواء وشيزوفرينيا الأكاديميا الغربية.

«مَن دفع لأصحاب المزامير في الماركسية الغربيّة؟» وثيقة تاريخية تقضي بشكل نهائي على أسطورة استقلالية الفكر الأكاديمي الغربي وموضوعيته المزعومة.

إن تحرر العقل الثوري اليوم يتطلب تفكيك كل هذه «الأصنام» الفكرية وتبني المادية التاريخية كعلم للصراع الطبقي العالمي. فالماركسية إما أن تكون علماً ثورياً يستهدف تحطيم البنية المادية للإمبريالية، أو تظل مجرد أداة تجميلية في خدمة النظام نفسه.

إن أطروحة روكهيل قراءة إجبارية مستحقة لتفكيك آليات عمل الهيمنة وإطلاق مهمة تحرير الماركسية من الخواء. استعادة تمرّ حتماً عبر تعرية أولئك السماسرة والجواسيس الذين قبضوا أثمان تزييف الوعي الثوري.

وكم نحن، في العالم العربي، بحاجة إلى تحقيق مهني موازٍ لتفكيك الدور المشبوه الذي لعبه مثقفون عرب مرتزقة ومنظمات مدنية ممولة خليجياً وغربياً في صناعة ما سمي بـ «ربيع العرب» المشؤوم. ذلك الحراك الذي جرى إطلاقه وتوجيهه عبر هندسة اجتماعية دقيقة، استبدلت المطالب الجذرية المحقة للشعوب بشعارات ليبرالية جوفاء، وصنعت «نجوماً» من وكلاء للهيمنة بلسانٍ عربي تولوا تجهيز المناخات المواتية لإسقاط الجمهوريات العربيّة في العراق وليبيا وسوريا لمصلحة فوضى الأصوليات القروسطية.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى