فن و ثقافة

جعفر بناهي صانع السينما في مواجهة القمع

عمار أحمد حامد

في موسم جوائز السينما الأبرز لعام 2025–2026، يبرز فيلم It Was Just an Accident كأحد أهم الأعمال الدولية التي جمعت بين القوة السردية والرسالة الإنسانية. الفيلم الذي أخرجه السينمائي الإيراني جعفر بناهي حقق انتشارًا واسعًا على مستوى النقاد والجمهور، ليس فقط لأسلوبه الفني المتميز، بل أيضًا للظروف التي أُنتِج فيها العمل والرسالة السياسية والاجتماعية العميقة التي يحملها

لا يمكن الحديث عن It Was Just an Accident دون الإشارة إلى تاريخه الشخصي. بنـاهي، الذي يعد أحد أبرز المخرجين في السينما الإيرانية المستقلة، عرف بعدائه للنظام في بلاده، وقد مُنع من الإخراج لأعوام طويلة وتعرض للسجن والملاحقة بسبب أعماله السابقة. هذه الخلفية تجعله رمزًا للمقاومة السينمائية؛ إذ صوّر هذا الفيلم في إيران دون إذن رسمي، وعُمل عليه بسرية، ثم أنجزت نسخه النهائية في فرنسا.

«It Was Just an Accident»

الصدفة كقناع… والسينما كفعل مقاومة

في فيلمه It Was Just an Accident، لا يقدّم جعفر بناهي مجرد حكاية عن مواجهة عابرة مع ماضٍ قاسٍ، بل ينجز واحدًا من أكثر أفلامه كثافة من حيث الاشتباك الأخلاقي والسياسي مع مفهوم الذنب، والذاكرة، والعدالة المؤجَّلة. الفيلم، الذي يبدو في ظاهره بسيطًا ومحدود الأحداث، يتحول تدريجيًا إلى محاكمة داخلية طويلة، لا للشخصيات وحدها، بل للمشاهد نفسه.

ينطلق الفيلم من واقعة شبه هامشية: شكّ، مصادفة، نظرة، صوت. هذه البداية المتواضعة ليست ضعفًا سرديًا، بل اختيار واعٍ من بناهي، الذي يدرك أن الأنظمة القمعية لا تُختصر في مشاهد التعذيب الكبرى، بل في آثارها المتأخرة، في تلك اللحظات التي يعود فيها الماضي فجأة، بلا إنذار.

العبارة التي يحملها الفيلم عنوانًا – It Was Just an Accident – تتحول من توصيف بريء إلى آلية إنكار جماعي. فـ«الحادث» هنا ليس ما وقع فحسب، بل ما يُقال كي لا يُقال شيء آخر: الجريمة، المسؤولية، الحقيقة.

*

لا يمنح بناهي شخصياته مخرجًا أخلاقيًا واضحًا. الضحية ليست نقية بالكامل، والجلاد ليس كاريكاتوريًا. الجميع عالقون في منطقة رمادية، حيث الانتقام لا يبدو عدلًا، والتسامح لا يبدو شفاءً. هذه المنطقة هي قلب الفيلم الحقيقي.

هنا، يتخلى بناهي عن السينما التقريرية، ويقترب من سينما الشك: شك في الذاكرة، في الهوية، وحتى في إمكانية العدالة ذاتها. هل يكفي الاعتراف؟ وهل الاعتراف ممكن أصلًا في عالم تعوّد على الكذب كوسيلة للبقاء؟

الزمن كعقوبة

الزمن في الفيلم ليس إطارًا محايدًا، بل عقوبة بحد ذاته. الإيقاع البطيء، التكرار، الانتظار، كلها أدوات تجعل المشاهد يعيش ما تعيشه الشخصيات: التعليق الأبدي بين ماضٍ لا يموت وحاضر لا يتحرر.

هذا البطء لا يخدم الجمالية فقط، بل الأخلاق. بناهي يرفض تسريع الأحداث، كأنه يرفض منحنا متعة درامية سريعة، ويصرّ على أن نتحمل ثقل التفكير، تمامًا كما تتحمل الشخصيات ثقل الذاكرة.

الكاميرا في It Was Just an Accident لا تدين ولا تبرّئ. غالبًا ما تلتزم مسافة أخلاقية صارمة، تراقب دون تدخل، وتترك الفراغات أكبر من الكلام. الصمت هنا ليس غيابًا، بل لغة كاملة.

هذا الأسلوب يضع الفيلم في تقاطع واضح مع سينما ميشيل هانكه وعباس كيارستمي، حيث يُطلب من المشاهد أن يكون شريكًا في بناء المعنى، لا متلقيًا سلبيًا له.

السياسة بلا شعارات:

رغم الخلفية السياسية الواضحة، يتجنب بناهي الخطاب المباشر. السياسة في الفيلم ليست حدثًا، بل مناخًا: الخوف، الشك، الصمت، والذاكرة المعطوبة. هذه السياسة اليومية هي الأكثر قسوة، لأنها لا تحتاج إلى رجال شرطة ظاهرين كي تعمل.

بهذا المعنى، يصبح الفيلم شهادة على كيف تستمر الأنظمة القمعية حتى بعد غيابها الظاهري، عبر الأثر النفسي العميق الذي تتركه في الأفراد.

لا يمنح الفيلم خلاصًا، ولا يقترح عدالة بديلة. النهاية تتركنا أمام سؤال مفتوح:

هل مواجهة الماضي كافية؟ أم أن بعض الجراح لا تُشفى، بل يُتعايش معها فقط؟

هذه القسوة في الامتناع عن الحل هي ذروة الفيلم الأخلاقية. بناهي لا يريد أن يطمئننا، بل أن يزعجنا – لأن الاطمئنان، في سياق كهذا، شكل آخر من أشكال التواطؤ

حين يصبح الحادث قدرًا، والقدر سؤالًا أخلاقيًا:

لا يقدّم فيلم It Was Just an Accident نفسه بوصفه حكاية عن واقعة طارئة عابرة، بل كتمرين سينمائي عميق على هشاشة المصير الإنساني، وعلى تلك المسافة الغامضة بين ما نسمّيه «حادثًا» وما نخشاه كـ«قدر». منذ لحظاته الأولى، يضعنا الفيلم أمام عالم يبدو عاديًا، يوميًا، مألوفًا… قبل أن ينشق هذا العادي فجأة، لا بانفجار بصري أو درامي، بل بتصدّع داخلي صامت.

الحادث كذريعة سردية:

اللافت في الفيلم أن «الحادث» ليس مركز الثقل بحد ذاته، بل ذريعة سردية تفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة الأخلاقية والنفسية. ما الذي يحدث للإنسان عندما يُدفع – عن غير قصد – إلى موقع المسؤولية؟ وهل يمكن للبراءة أن تبقى بريئة بعد أن تتلطخ بالنتائج، حتى لو لم تتلطخ بالنية؟

الفيلم لا يسعى إلى إدانة واضحة، ولا يمنح المشاهد رفاهية الاصطفاف الأخلاقي السهل. بل يتركنا مع شخصيات معلّقة في منطقة رمادية، حيث لا أبطال حقيقيين ولا أشرار مكتملين، بل بشر مرتبكون، يتصرفون أحيانًا بدافع الخوف، وأحيانًا بدافع النجاة، وغالبًا بدافع الصمت.

السينما كمساحة للاختناق:

أسلوبيًا، يعتمد الفيلم على اقتصاد بصري صارم: لقطات ثابتة نسبيًا، حوارات مقتصدة، ومساحات صمت أطول مما اعتدناه. هذا الاختزال لا يُضعف السرد، بل يضغطه، يجعله خانقًا، وكأن الكاميرا نفسها تتردد في الحكم، وتفضّل المراقبة الباردة.

الزمن في الفيلم ليس خطيًا بقدر ما هو نفسي. تمر الدقائق ببطء، لأن الشخصيات تعيش ثقل اللحظة الواحدة مرارًا، وكأن الحادث لا يقع مرة واحدة، بل يتكرر في الوعي، في الذاكرة، وفي محاولات التبرير المستمرة.

أحد أقوى ما يطرحه الفيلم هو تفكيكه لمفهوم «الصدفة». هل الصدفة إعفاء أخلاقي؟ أم أنها مجرد اسم آخر لعجزنا عن الفهم؟

الفيلم يلمّح، دون مباشرة، إلى أن الإنسان يحتاج إلى تسمية ما حدث «حادثًا» كي يتمكن من العيش مع نفسه. فالتسمية هنا ليست توصيفًا للواقع، بل آلية دفاع نفسي.

السياسة كظلّ غير مرئي

رغم أن الفيلم لا يرفع شعارات سياسية مباشرة، إلا أن خلفيته الاجتماعية والسياسية حاضرة كظل ثقيل. السلطة، الخوف، الرقابة غير المعلنة، وثقافة الإنكار… كلها عناصر تتسلل بهدوء إلى النسيج السردي، وتجعل من الحادث الفردي انعكاسًا لحالة أوسع: مجتمع كامل يتقن قول «لم يكن سوى حادث».

الخاتمه المفتوحة:

لا يمنحنا It Was Just an Accident نهاية مريحة، ولا يسعى إلى تطهير درامي. بل يترك المشاهد في حالة قلق أخلاقي مقصود، كأن الفيلم يقول:

المشكلة ليست في ما حدث، بل في ما سنفعل به داخلنا.

*

الخلاصة

it Was Just an Accident ليس فيلمًا عن حادث، بل عن اللغة التي نستخدمها لتهريب الحقيقة. عمل شديد الهدوء، شديد القسوة، يرسّخ مكانة جعفر بناهي كأحد آخر المخرجين الذين ما زالوا يؤمنون بأن السينما ليست تسلية، بل موقف.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى