
دائماً أقول لمن يحبونني ويتابعون كتاباتي، وقد يروق لبعضهم تقليدها: يجب أن نتناول في كتابتنا شخصية معلمة، تترك أثراً في حياة من يقرأ أعمالنا في المستقبل، وقد ننسى العمل ولا ننساها. وأنا على سبيل المثال لا أستطيع نسيان شخصية “منصور” في قصص غسان كنفاني، ولا ذلك الطالب المعتقل في رواية وجهان لجثة واحدة لمؤلفها الأزهر بن الحبيب الصحراوي، وقد لا تغيب عني صورة ذلك العاشق في قصة حب مجوسية لمؤلفها عبد الرحمن منيف، وهذه الأمثلة هي غيض من فيض.
هذه المسألة أو القضية، كثيراً ما طرحت ودارت حولها النقاشات أيام زمان داخل جمعية القصة والرواية في اتحاد الكتاب العرب وكانت حواراتنا تصل حد المشادة الكلامية والتعصيب والغضب، لأن هناك من يحب الكتابة بطريقة الإيهام والترميز العالي، ولم أكن شخصياً ضد هذه الطريقة، وكنت أقول: هذه القصة جميلة، وخاصة في شعريتها، ومتنها الرصين، وكلماتها الفخمة، ولكنني سأنساها بعد خمس دقائق، والسبب يعود إلى عدم وجود شخصية معلمة كما قلنا بداية.
نقول أيام زمان، وسقا الله تلك الأيام التي كانت فيها القلوب والأرواح مشتعلة، أما الآن فقد خبت الكثير من الأشياء وخفتت الأضواء، أو ربما ناست إلى درجة التلاشي.
الشخصية هي “محور الرواية والوحدة العضوية تتحقق من خلالها، والأحداث تدور حول تلك الشخصية، وتتصاعد مع نمو الشخصية، والشخصيات هي خادمة الفكرة” كما يرى الناقد المغربي الدكتور عبد الله حمدنا الله، ومناسبة حديثنا هو وجود شخصية مهمة ومعلمة في رواية بنسيون الشارع الخلفي لمؤلفها الكاتب محمد فتحي المقداد، وهي الفائزة بجائزة ناجي نعمان دورة عام 2025م وتلك الشخصية ليست رئيسة، بل ثانوية، وهي مثل ” سيرا، فايا، علوان، محمود، أبو دعاس” ومع ذلك فهي تلعب دوراً مهماً في الرواية على الرغم من وجود شخصية “نبهان” المحورية لأنه مالك البنسيون والآنسة “نورما” التي تحمل شخصيتها حكاية طويلة وكذلك ضابط الحاجز “أبو حيدر” المسؤول عن الكثير من أعمال التعفيش والفساد في المنطقة أثناء الحرب.
وقد حققت شخصية”علوان” حضوراً رهيباً على الرغم من المساحة الضيقة التي تشغلها قياساً إلى حجم الرواية، وذلك بسبب بعدها الإنساني وتأثيرها الوجداني، ومن يتتبع كلماته سيشعر حتماً بمحبته، ولا نبالغ لو قلنا إن وجودها فوق صفحات هذا العمل قد أحدث فارقاً مميزاً في النص، وشكل إضافة مهمة، فهو شخصية فاقدة للذاكرة، وقريبة إلى القلب في الآن ذاته، ويشعر من يتلقى كلماته أنه يعرف كل شيء على الرغم من حاله، ومن خلاله أوجد الكاتب صوتاً جديداً للسرد، وتلك مسألة يشار إليها في تناوب الأصوات، لكن الأهم من ذلك كله أن “علوان” يترك من خلفه رسالتين يخبرنا من خلالهما عن العصابات التي دخلت المخيم المنكوب مطالبة الناس بالتوبة، وتقوم بقطع الرؤوس أمام الجميع، كما يخبرنا بدخول قوات أجنبية لنبش القبور والبحث عن أهداف معينة، وفي الرسالتين تفصيلات كثيرة يصف فيها المخيم ودوره التاريخي، وكل ذلك بلغة سلسة وعميقة وعلى غاية كبيرة في فن القول، وتلك الشخصية برأينا الخاص تكاد تعادل الرواية بأكملها. وإذا جاز لنا استخدام المصطلح الرياضي، كما قلت ذات يوم، فنحن نعتقد أن الروائي قد سدد ضربة جزاء محكمة من خلالها، ولعل هذا ما دفعنا للتأكيد على ضرورة الشخصية التي تعلم وتترك بصمة خاصة في بداية حديثنا.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



