تحليلات سياسيةسلايد

الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران: أضرار جانبية حتمية

هل كان في مقدور قيادة “حزب الله” أن تتحلى بالحدود الدنيا من ضبط الذات وترجيح المصلحة الوطنية اللبنانية والتبصر في عواقب إطلاق حفنة صواريخ وطائرات مسيرة ضد أهداف إسرائيلية جنوب حيفا، والانخراط في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران، وبالتالي توفير ذريعة جديدة أمام شهية بنيامين نتنياهو المفتوحة لارتكاب المزيد من إراقة الدماء والتوغل والتدمير الشامل في جنوب لبنان وأطراف العاصمة بيروت؟

 

الإجابة المنطقية هي النفي بالطبع، لأسباب عديدة متشابكة ومتكاملة يمكن أن تبدأ من تبعية الحزب لطهران على مستويات سياسية ومذهبية وعسكرية وتمويلية قديمة العهد ومتأصلة، ليس من اليسير فصمها أو حتى تعليق عناصرها لآجال مؤقتة. وكذلك لاعتبار واحد على الأقل ذاتي التكليف، هو إعلان قيادة الحزب أنها لن تتدخل في الحرب ضد دولة الاحتلال إلا في حال المساس بالمرشد الأعلى علي خامنئي، ولكن الأخير لم يُستهدف أو يتعرض للأذى فقط بل تمّ اغتياله وعدد من أفراد بيته وكبار مساعديه خلال الساعات الأولى لانطلاق الغارات الأمريكية ـ الإسرائيلية.

على قدم المساواة وضمن المنطق ذاته تقريباً، كان من حق القيادة الإيرانية أن تواجه آلة الحرب الوحشية الأمريكية ـ الإسرائيلية بكل ما ملكت من أسلحة دفاعية أو هجومية، ولكن كان واجباً عليها في المقابل أن تستبعد خيار قصف الجوار، وإلحاق أضرار مادية وإنسانية بشعوب ودول سعت على الدوام إلى ترجيح الحلول الدبلوماسية، وبعضها مثل عُمان لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران. وذريعة وجود قواعد عسكرية أمريكية لا تبرر إطلاقاً استهداف أراضي ومطارات وموانئ ومنشآت هذه الدول الجارة، ما دامت عمليات القصف الأمريكية تنطلق من حاملات الطائرات وليس من قلب تلك القواعد العسكرية.

وفي جانب آخر من عواقب الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، كان اشتعال جبهة النفط تطوراً تلقائياً ومنطقياً بدوره، بالنظر إلى تكدس الناقلات في موانئ التصدير، والأخطار المحيقة بمضيق هرمز الذي تمرّ عبره نسبة 20% من استهلك النفط العالمي، والارتفاع الهائل في تكاليف التأمين. وهكذا ارتفعت الأسعار بمعدلات متفاوتة بلغت 13٪، وأكثر من 80 دولاراً للبرميل من خام برنت، ونحو 72 دولاراً لخام غرب تكساس.

كذلك فإن الآثار الإنسانية العميقة لهذه الحرب، سواء تلك التي تخص فصلاً جديداً من العربدة الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة مع استمرار جرائم الحرب الإبادية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، أو زرع إسفين استعدائي في علاقات الجوار بين الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، تندرج أيضاً في باب الخرائب الناجمة عن الحرب.

هذه نماذج لسلسلة أضرار جانبية كانت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران السبب المباشر في حتمية وقوعها، ليس لأن تفاديها كان شبه مستحيل فقط، بل كذلك لأن منطق هذا العدوان تحديداً يفترض اتساع نطاقها وتعدد ضحاياها وعشوائية إلحاق الأذى بسائر المنطقة، وخارج أدوار المعتدي والمعتدى عليه.

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى