
سجل طويل من معارك رابحة خاضتها إسرائيل مع جوارها الجغرافي، وحتى أبعد من جوارها، وللإستراتيجية الإسرائيلية هدفان، الأول هو أن تفتيت دول الجوار إلى كانتونات دينية وطائفية وعرقية لكي تلتهي بنفسها، والثاني هو استثمار ذلك التفتت لتحقيق حلمها في استكمال بناء اسرائيل العظمى أو الكبرى، حدودها من النيل إلى الفرات، وربما أبعد. والثمن الذي دفعه جيرانها حتى اليوم، مئات الآلاف من القتلى وأضعافهم من الجرحى، وملاينن من المهجرين، وحكومة اليمين المتطرف، ويدعمها أغلبية الاسرائليين، أعلنت نيتها توسعة مساحة احتلالها لغزة إلى 70%، وضم كامل الضفة الغربية، وكل الجنوب اللبناني شمال نهر الليطاني وأجزاء من سوريا شاملاً مرتفعات الجولان.
عاملان كانا صلب تمكين إسرائيل من تمرير جرائمها دون حساب، الأول، هو الشعور بالذنب لدى الغرب، سواء الحلفاء المنتصرين، أو الحلفاء المهزومين، في الحرب العالمية الثانية تعويضاً عن خسائر “الهولوكوست”، والثاني، تمكن الحركة الصهيونية، يهود ومسيحيين، من إيصال القادة هناك إلى سدة الحكم، سواء بالجزرة أي التمويل والدعم الإعلامي، أو بالعصا، بتوريطهم في قضايا استخباراتية قذرة، مثل ابيستين، أو حتى بالاغتيال.
ما حدث منذ 7 أكتوبر 2023، وحتى الحرب الأخيرة التي بدأت في 8 فبراير 2026، أحدث شرخاً لن يعوض في إمكانية اعتماد اسرائيل في توسعها، وربما في بقائها، على أي من العاملين المذكورين. الأول الذي فقد هو عامل العصا، أو توريط المسؤولين أخلاقياً بأعمال استخباراتية قذرة، فلن يطول الوقت حتى يفرج عن “وثائق إبستين” ومن كان خلفها، وربما يمتد الأمر في فتح ملفات الاغتيالات مابين الرئيس جون كيندي وحتى شارلي كيرك. وسوف يتآكل وبشكل متسارع تأثير الجزرة، أو التمويل والإعلام، لأن القادم سوف يجعل الاعتماد عليهما يرتد سلباً على المستفيد، وخصوصاً عندما نفهم معنى ارتفاع الأرقام في النظرة السلبية حول اسرائيل في دول رئيسية، معظمها ديمقراطية، يتحكم في وصول قادتها إلى السلطة توجهات الرأي العام لديها.
أعلى نسب التحول إلى النظرة السلبية حول اسرائيل حدثت في ثاني أقوى مصادر دعمها وقوتها، أو القارة الأوروبية، وتحديداً الدول الرئيسية ضمنها، ذلك ما يعرض له استبيان صادر في شهر يونيو الجاري عن “Pew Research Center” وهو من أهم مراكز الأبحاث والاستطلاع في العالم. غطى الاستبيان 36 دولة حول العالم، من ضمنها 10 دول أوروبية، وراوحت نسبة من لديه نظرة سلبية حول اسرائيل بشكل حاد وإلى حد ما فيها بين 78% لأعلاها و 54% لأدناها، مقابل من ينظر العكس ما بين 32% لأعلاها و 15% لأدناها. ضمن الدول الأوروبية الرئيسية التي شملها الاستبيان، بلغت نسبة النظرة السلبية في اسبانيا 78% مقابل 17% من يرون العكس، وايطاليا 75% مقلبل 21%، وألمانيا 73% مقابل 23%، والمملكة المتحدة 69% مقابل 25%، وفرنسا 68% مقابل 24%.
وفي أمريكا الشمالية، ورغم أهمية كندا والمكسيك وفيهما غلبة للنظرة السلبية حول اسرائيل وبحدود 65% مقابل 28% لكندا، و59% مقابل 23% للمكسيك، يظل الدعم التاريخي والأقوى في العالم، هو الولايات المتحدة الأمريكية، والتحول في الولايات المتحدة باتجاه غلبة النظرة السلبية هو الأهم والأكثر تأثيراً في المستقبل، ومستوى النظرة السلبية فيها بلغ مؤخراً 60% مقابل 37%. ولعل الأهم هو أن التغير باتجاه النظرة السلبية يتسارع بمرور الوقت بعدما بات واضحاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية خدعت لتحارب حرب اسرائيل، بينما دفع معظم تكلفتها الاقتصاد الأمريكي والمستهلك الأمريكي، ومعهما كل دول العالم. ظاهرة مهمة أخرى بإسقاطاتها عل المستقبل غير المريح لإسرائيل هي أن الفرق شاسع في تلك النظرة السلبية على المستوى العمري، فمن هم دون الـ 50 عاماً من العمر موقفهم أقوى ضد اسرائيل مقابل من هم فوق الـ 50 عاماً، أحد الأمثلة حالة المجر، حيث تبلغ النظرة السلبية لمن هم ما بين 18-34 سنة، 72% مقابل 45% لمن هم فوق الـ 50 عام.
ولاستكمال واقع التحول في النظرة السلبية تجاه اسرائيل لابد من تغطية التوجهات في القارة التي سوف تحتضن مستقبل العالم الاقتصادي، أو قارة آسيا، حيث غطى الاستبيان 12 دولة، وفاقت النظرة السلبية لاسرائيل في 11 دولة ضمنها. وبعيداً عن النظرة السلبية للدول الاسلامية ضمن تلك العينة والتي راوحت ما بين 95% لباكستان، و 89% لماليزيا، و 86% لإندونيسيا، و79% لبنغلادش، كانت تلك النسب مرتفعة لسبع من الدول الثمانية المتبقية. لليابان كانت 83% مقابل 13%، وفي استراليا 79% مقابل 13%، وفي سنغافورة 72% مقابل 28%، وفي كوريا الجنوبية 70% مقابل 27%، والفلبين 64% مقابل 32%، وفي تايلاند 59% مقابل 38%، وفي سيريلانكا 41% مقابل 40%، ووحدها الهند كانت النظرة السلبية فيها لاسرائيل أدنى بحدود 28% مقابل 32% لصالحها.
وعودة للاجابة على السؤال عنوان المقالة، “هل خسرت اسرائيل الحرب؟”، لا بأس من استعارة لحالة من التاريخ، فجنوب إفريقية البلد الأشهر في جريمة الفصل العنصري، مرت تقريباً بنفس المراحل التي تمر بها اسرائيل، والفارق هو أن إسرائيل أكثر عنفاُ ضد الفلسطينيين في الداخل، وأوسع وأكثر أذى وتدميراً خارج محيطها الجغرافي. نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقية بدأ في عام 1910، وتمت قوننته وازداد عنفه في عام 1948 مع فوز حزب البيض الوطني واستلام السلطة، وهي نفس السنة التي نشأت فيها إسرائيل، وحصلت على دعم أمريكي من الرئيس هاري ترومان وهو أول رئيس يعترف بإسرائيل. والواقع أنه قدم الدعم العسكري لها في احتلالها لناميبيا وهو التوسع الوحيد لها خارج حدودها، ودعم حربها مع أنغولا المدعومة من كوبا من أجل الحد من انتشار الشيوعية في إفريقية.
وكما هو الحال مع الانتفاضات الفلسطينية، قمع البيض في جنوب إفريقية انتفاضات السود، وعندما أطلقت شرطة البيض النار مباشرة على مظاهرة للسود في مدينة شاريفيل في عام 1960، وقتلوا 69 وأصابوا 186 متظاهراً، انعقد مجلس الأمن الدولي من أجل جنوب إفريقية، استخدمت كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا حق النقض “الفيتو” لوقفه. واعتقلت سلطات جنوب إفريقية زعماء السود وسجنتهم وعذبتهم، وكان نصيب نيلسون مانديلا 27 سنة حبس وتعذيب في جزيرة روبن، بينما هرب كثير من الزعماء الآخرين إلى دول مجاورة للعمل منها.
ولم تبدأ بوادر سقوط نظام الفصل العنصري سوى أواخر سبعينيات وفي ثمانينيات القرن الفائت عندما بدأ التحول المتسارع لتجريم نظام الفصل العنصري فيها من قبل الرأي العام العالمي مماثلاً تماماً لما يحدث حالياً من تحول ضد إسرائيل. وبعد احتجاجات شعبية مناهضة للفصل العنصري في كل من أوروبا والولايات المتحدة، وبعد بداية تفكك المعسكر الشرقي ومعه سقوط مبررات مصدات مواجهة المد الشيوعي بدءً من ثورة العمال بقيادة ليخ فليسا في بولندا، ثم تولي ميخائيل غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفيتي، صدر عن الكونغرس الأمريكي قرار مشدد يجرم الفصل العنصري. وبحدود عام 1989 أصدر دي كليرك الرئيس الأبيض المعتدل قرارات بشرعية الأحزاب الوطنية للسود، وفي عام 1990 ألقى نيلسون مانديلا كلمة في اجتماع مشترك لمجلسي الكونغرس الأمريكي، وبحلول عام 1994 أصبح مانديلا رئيساً لجنوب إفريقية.
في خلاصة، التاريخ لا يكرر نفسه تماماً، ولكن ما فعلته إسرائيل يفوق كثيراً ما فعلته جنوب إفريقية، وانتقال الأحداث المجرمة بالصورة والصوت أصبح على الهواء مباشرة ومن ألف مصدر ومصدر، وما حدث لغزة كان أصدق مثال، والمغامرة الأخيرة لإسرائيل في توريط الولايات المتحدة في حرب مكلفة أصابت وبشكل مباشر المواطن الأمريكي، وشمل ضررها كل العالم، ترجح، وبشكل كبير، بأن إسرائيل خسرت الحرب. ما لا نعرفه هو توقيت الاعتراف بالخسارة، وما لا نعرفه هو نتائجها، فمن المؤكد أن حلمها بإسرائيل العظمى قد مات، والخيارات باتت، إما حالة جنوب إفريقية، أي دولة ديمقراطية لكل السكان، أو حل الدولتين، وسوف يكون هشاً، أو مغادرة الكثير من الاسرائيليين إلى دولهم الأصلية.
صحيفة الجريدة الكويتية



