تحليلات سياسيةسلايد

حفلة تراشق مسؤوليات مفتوحة: خاب نتنياهو… فكثُرت سكاكينه

يحاصر الاتفاق الأميركي – الإيراني نتنياهو داخلياً، كاشفاً فشل حربه على إيران وزيف «النصر المطلق» وعجز تل أبيب عن التحكم بمسار التفاوض.

 

يدفع التفاهم المستجدّ بين الولايات المتحدة وإيران، إسرائيل، إلى زاوية سياسية حرجة؛ فهو لا يثير نقاشاً داخل الكيان حول مضمونه فقط، بل يعيد فتح السؤال الأثقل: ماذا جنت تل أبيب من الحرب التي بادرت إليها ضدّ طهران، والتي انتهت إلى مسار تفاوضي أميركي- إيراني، لا تملك هي مفاتيحه ولا حتى القدرة على التأثير فيه؟ أمس، وبعد ساعات قليلة من الإعلان عن الاتفاق، لم يبقَ أحد من معارضي رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلا وخرج محمِّلاً الأخير مسؤولية «الفشل» في تلك الحرب. وبذلك، تحوّل التفاهم الأميركي- الإيراني إلى أداة في المعركة الداخلية؛ إذ وجد فيه قادة الأحزاب المختلفة مادّة جاهزة للمزايدة وتبادل الاتهامات، فيما سعى كلّ طرف إلى توظيفه انتخابياً، سواء لمهاجمة الحكومة وتحميلها مسؤولية الإخفاق، أو للدفاع عن خياراتها في ظلّ اقتراب الاستحقاق الانتخابي.

ويأتي ذلك فيما لا تزال الجبهات المختلفة للحرب التي اندلعت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعد عامين ونصف العام من القتال، من دون حسم واضح في أيّ منها، بل وبفشل بيّن على الجبهة الإيرانية، الأمر الذي يكشف زيف شعارات نتنياهو المتكرّرة حول تحقيق «النصر المطلق»، أمام جمهور المستوطنين- الناخبين. وفي ظلّ هذا الانكشاف، وبعد صمت امتدّ على نحو يوم كامل، خرج نتنياهو في خطاب، مساء أمس، بدا انتخابياً صرفاً. إذ أراد عبره القول إنه هو من أنقذ الإسرائيليين، وإنه سيواصل إنقاذهم، مستعيداً الصورة التي يقدّم نفسه عبرها دائماً. إلا أنه، في الوقت عينه، بدا متردّداً وخائفاً وغير واثق؛ فلم يسجّل موقفاً مباشراً ضدّ الاتفاق الإيراني- الأميركي، في حين ظهر ضعيفاً في مقاربة العلاقة مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي اكتفى بالقول عنها إن «علينا التعامل مع ترامب بحكمة».

ويختلف ذلك عمّا فعله نتنياهو عند توقيع «الاتفاق النووي» عام 2015، حين خرج مهاجماً الصفقة، واصفاً إياها بأنها «سيئة لإسرائيل»، قبل أن يذهب إلى «الكونغرس» ويلقي خطاباً هناك ضدّ الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، وضدّ «خطة العمل المشتركة الشاملة».

أمّا النقطة التي بنى عليها نتنياهو خطابه الدفاعي، فهي الإبقاء على قوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، والتمسّك بمبدأ «المناطق الأمنية العازلة»، في سوريا ولبنان وغزة. إذ أعاد تكرار موقفه الرافض للانسحاب من لبنان، وشدّد على بقاء جيش الاحتلال في ما سمّاه «المنطقة الأمنية»، لكنه ربط هذا الوجود بعبارة «طالما كان ذلك ضرورياً»، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى الحسم الإسرائيلي في هذه النقطة. وفي السياق نفسه، دافع نتنياهو عن أهداف الحرب التي خرجت إليها إسرائيل ضدّ إيران، وعدّد «الإنجازات» المزعومة في خلالها، وفي مقدّمها إبعاد «الخطر النووي» الإيراني عن إسرائيل، لكنه لمّح إلى أن الاتفاق الإيراني- الأميركي لا يعني الكيان، وأن صراع الأخير مع إيران مستمرّ.

ولعلّ ما لم يستطع نتنياهو قوله علناً، تكفّلت به «القناة 14» اليمينية، الأقرب إلى رئيس الحكومة؛ إذ هاجمت طوال أمس، الإدارة الأميركية، وتحديداً ترامب، فيما نقلت «القناة 12» العبرية عن نتنياهو قوله في «الكابينت» المصغّر: «يمكننا شدّ الحبل مع الأميركيين، لكن لا يجب أن نمزّقه». وبدوره، عبّر وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، عن رفضه الاتفاق، موجّهاً في الوقت ذاته انتقاداً إلى المرشّحين في الانتخابات الإسرائيلية، معتبراً أنه «لا أحد من بين المرشّحين الذين يرون أنفسهم مناسبين لرئاسة الحكومة، كان سيصمد حتى عشرة بالمئة تحت الضغط الممارَس هذه الأيام على حكومة إسرائيل، وخاصة على من يقف على رأسها».

لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق ورئيس حزب «بياحد»، وأحد أهمّ منافسي نتنياهو، نفتالي بينيت، رأى أن الاتفاق «يشكل منعطفاً خطيراً على أمن إسرائيل، ولا تستطيع إصلاحه إلا قيادة جديدة». وقال بينيت: «هذا الصباح، اكتشفنا مجدداً أن الحكومة غير قادرة على تحويل كلّ ذلك إلى إنجازات أمنية مستدامة»، مضيفاً. أن «الحكومة غير قادرة على الحسم». ولفت إلى أن «ولاية نتنياهو بدأت بحرب أهلية وتنتهي بفشل تاريخي أمام إيران»، معتبراً أن «العدّ التنازلي لتغيير النظام في إيران سيبدأ بمجرّد تغيير الحكومة في إسرائيل»، زاعماً أن «لدينا خطّة استراتيجية واضحة لإسقاط النظام الإيراني. سنعمل بيدٍ على منع إيران من حيازة النووي، وباليد الأخرى سندفع إلى تفكّك النظام عبر وسائل دبلوماسية، واستخباراتية، واقتصادية، وتكنولوجية وعسكرية معاً».

أمّا رئيس حزب «يشار»، غادي أيزنكوت، وهو منافس جدّي لنتنياهو أيضاً، فوجّه انتقاداً حاداً إلى الحكومة على خلفية الاتفاق، معتبراً أنه «بعد نحو ثلاث سنوات من إخفاق السابع من أكتوبر، وبعد أثمان باهظة وإنجازات عسكرية جديرة بالذكر، تستيقظ إسرائيل هذا الصباح على اتفاق يتشكّل بعيداً من هنا وبعيداً عن المصلحة الإسرائيلية». وأضاف أيزنكوت أن «هناك هوّة واسعة تفصل بين الوعود الفارغة بالنصر المطلق وبين هذا الصباح». ولفت إلى أنه «إلى جانب شعور الإحباط، تنضمّ الحقيقة المستفزة القائلة إن رئيس الحكومة يرفض النظر مباشرة إلى الجمهور والإجابة بصدق عن الأسئلة الصعبة. ومرّة أخرى، يكتشف مواطنو إسرائيل الاتفاق عبر تقارير قادة أجانب». كما رأى أيزنكوت أن «سكان الشمال يكتشفون هذا الصباح أن أمنهم لا يزال معرّضاً للتهديد»، مشيراً إلى أن صرختهم لم تَجد، مرة أخرى، آذاناً مصغية لدى الحكومة، مستدركاً بـ«(أننا) لن نتركهم وحدهم».

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى