
الكثيرون يخطؤون حين يبخسون تجربة الشاعر نزار قباني ويحجّمونها في سياق جسدي سطحي، معتقدين أنه شاعر لـ ‘الحريم’ والمتعة، فهو أكثر من ذلك بكثير.
قبل أيام، وأنا أفتش في رفوف مكتبتي الصغيرة مستعيدةً شغفي القديم بالشعر الحديث—ذلك الشغف الذي كبر معي خلال سنوات دراستي وانقطع قليلاً خلف تفاصيل الحياة بعد تخرجي قبل عام- وقعت بين يدي قصيدة “يوميات امرأة لا مبالية” لنزار قباني. لم أشعر هذه المرة أنني أمام مجرد نصوص غزلية مسبوكة، بل اجتاحتني موجة من الغضب والتمرد. نزار في هذا الديوان الصغير بمعانيه الكبيرة لم يكن يسجل أسطراً عابرة، بل كان يفجر قلقاً وجودياً وصراخاً حارقاً بلسان نساء تعبن من السلطوية والظلم. إنه يخرج المرأة من عباءة الخنوع والخوف من أسر التقاليد الأبوية الذكورية، ليجعل من قصيدته رحماً تحبل بعبارات أنثوية تثور، وتتوتر، وتصرخ بوجه كل من جلد كيانها بعنف ووحشية.
أكتب هذه القراءة النابضة من قلبي، كفتاة تقرأ واقعها في مرايا نزار، بعيداً عن برود المناهج الأكاديمية وجفاف التنظير.
المرأة والوطن: حين يتحوّل “الزنار” إلى معركة تحرير سياسية
يخطئ الكثيرون حين يبخسون تجربة نزار قباني ويحجمونها في سياق جسدي سطحي، معتقدين أنه شاعر لـ “الحريم” والمتعة. الحقيقة التي تلمستها في سطور “يوميات امرأة لا مبالية” هي أن حضور المرأة هنا هو حضور رمزي بامتياز. المرأة عند نزار هي جواز سفر، وبطاقة هوية لتمرير رهاناته الكونية والسياسية. حين تصرخ الأنثى في القصيدة مستنكرة: “أليس هناك من شغل لهذا الشرق.. غير حدود زناري؟”، فإن نزار لا يناقش عقدة بكارة أو ثوباً ضيقاً فحسب، بل يفكك أزمة أمة بأكملها.
الشرق الذي ترك قضاياه الكبرى واختزل كرامته في حراسة جسد المرأة، هو شرق مأزوم يعاني من “صداع جنسي مزمن رافقنا من الصحراء”. يستوقفني هنا ما قاله نزار في أدبياته مؤكداً أن كل ما يكتبه في الحب إنما هو مكتوب لتحديد وتحرير الوطن، فالمرأة والوطن عنده وجهان لعملة واحدة. من يحب المرأة يحب الحرية، ومن يقمعها يكرس استبداد الأوطان. الجسد في القصيدة، بكرزاته وتفاحه وقبابه البيضاء، ليس عيباً بل هو أصل الوجود وجوهر الحياة، لكن ثقافة “الكلس” والأسفلت حولته إلى خطيئة يجب تكفينها بالقطن ودفنها في الرمل.
تفكيك سلطة “السياف مسرور” وفصام المجتمع البهيمي
في المقطعين السابع والخامس عشر، يوجه نزار مبضع الجراح نحو عمق العقلية البطريركية. صدمتني بشدة قسوة التوصيف للأب الأناني المريض في محبته وتعصبه، الذي يرى ابنته “كأنية.. كسطر في جريدته.. ككرسي بحجرته”. هذا التشييء المرعب ليس قصة من التاريخ الغابر؛ بل هو واقع ألمحه يومياً في عيون الكثير من الآباء الذين يتعاملون مع بنواتهم كقطع أثاث أو ثروة يجب حراستها حتى تُسلم لسجان آخر.
المشاعر هنا تفيض بالمرارة والقهر عند مقارنة هذا الأب السلطوي، الذي يشبه “هارون الرشيد” في جواريه ومواليه، بالأخ المستهتر في المقطع الثامن عشر. الأخ يعود من الماخور عند الفجر سكراناً نشواناً، ومع ذلك يبقى في عيون الأهل “أجملنا وأغلانا وأطهرنا وأنقانا”. هذا الفصام الأخلاقي البشع هو الذي يجعل الأرض ترفض الأمطار في بلادنا؛ لأننا نعيش بمنطق “المفتاح والقفل”، نمارس حقوقنا كالثيران والخيل ثم نترك النساء وسط النار والطين “قتيلات بلا قتل”. نزار هنا لا يكتب ترفاً، بل يصرخ بوجع مجتمع يسب الضفائر والتنانير في يقظته، وحين يطويه الليل يركع ليضم التصاوير!
الدفتر الأزرق وساعة البيت البلهاء: ثورة على ركود الموت
تبدأ القصيدة بإعلان صارخ عن هوية البوح: “سأكتب لا يهم لمن سأكتب هذه الأسطر.. فحسبي أن أبوح هنا لوجه البوح لا أكثر”. الدفتر الأزرق هنا ليس مجرد كراسة، بل هو المساحة الحرة الوحيدة المتبقية لامرأة تعيش في “منزل الأموات”. يقتلني هذا التشابه بين عقارب الساعة التي تبلع البطلة كحوت أسود الشفتين، وبين روتين الحياة الراكدة التي تعيشها فتيات كثيرات بعد التخرج؛ حيث تتوقف دقات الزمن، وتتحول الأيام إلى نسخ مكررة مضجرة، بانتظار بطل خرافي يأتي على فرس ليخطفها من معتقل إلى آخر.
نزار يقبض على لحظة الضجر هذه ليحولها إلى فعل ثوري. تمزيق الحرير، الاستلقاء بحرية على الأوراق السماوية، والمشي حافية، كلها رموز للتحرر من أقنعة الحضارة المزيفة والعودة إلى الطبيعة البدائية الطاهرة. البطلة هنا تعلن كفرها بمال أبيها، ولؤلؤه، وفضته، وتختار الهروب مثل “طيور تشرين” تبحث عن وطن جديد غير مسكون، رب لا يطاردها، وأرض لا تعاديها.
رحلة البحث عن “الأم” وشهريار الذي يطلب الخلاص
إن تأملي لمشروع نزار—منذ ديوانه الأول “قالت لي السمراء” عام 1944 حتى “أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء” عام 1993—يكشف لي عن مأساة الشاعر ذاته. نزار طوال نصف قرن لم يكن يتكرر برغم تكرار الموضوع؛ لقد كان يبحث عن مفتاح سحري للكون عبر المرأة. في هذه القصيدة بالذات، نلمس بحث نزار الخفي عن امرأة تشبه أمه، امرأة تحبه لذاته كإنسان مليء بالملل والضعف، لا كإله معروف تحيط به الأساطير والخرافات.
إنه يقدم الرجل بداخل الأنثى كوحش جميل، كتنين ميثولوجي نصلي له ونبتهل، وحين يجوع يأكلنا ويغسل يديه بدمائنا. هذا الوعي النزاري بتعقيد العلاقة بين الجنسين يرفع القصيدة من مجرد صرخة نسوية إلى تأمل وجودي عميق في طبيعة القمع البشري.
خاتمة: جرح مزهر لن تغلقه السكاكين
في نهاية رحلتها، تودع البطلة دفترها واصفة إياه بـ “مصباحي الأخضر” و”جرحي الذي أزهر”. كشابة تعشق الشعر الحديث وتتنفس معانيه، أرى أن “يوميات امرأة لا مبالية” ستبقى نصاً عابراً للأزمنة. قد نكون اليوم خرجنا إلى الجامعات، وحصلنا على شهاداتنا، لكن قناع “السياف مسرور” لم يمت؛ إنه ما زال حياً يرزق في كل زاوية، يفتش في أحلامنا الكامنة خلف الشاشات، ويجلد طموحنا بكرباج العادات.
لكن، ومثلما أراد نزار، فإن هذا الدفتر لن يموت. وحتى لو فُض ختمه الأحمر، ستبقى المرأة الحقيقية مبعثرة على السطور، جمرة ترفض الانطفاء، وصرخة ممتدة في وجه شرق المشانق والسكاكين، تعلن حتى رمقها الأخير: أنا إنسانة حية.
ميدل إيست أونلاين



