أحلام بيروت : جمهورية الفاكهاني !

أعادتني بيروت إليها..

ثمة صديق رحل باكرا اسمه جهاد يونس أراد أن أدرس معه في الجامعة العربية، فعزمت على ذلك، وقلت إن ذلك يتيح لي البحث عن أحمد أبن عمي الذي ضاع في أتون الحرب الأهلية ولم نعد نسمع عنه أي خبر!

ساعدني في هذه الخطوة صديق كان يعيش هناك هو المحامي عماد الدين دبوسي الذي عرّفني بدوره على ناشط فلسطيني اسمه أحمد المجدلاني فتكفل بالأمر، وأحمد المجدلاني اليوم وزيرا في فلسطين، فيما تحولت الفاكهاني التي كنا نسميها ((جهورية الفاكهاني))، إلى ذاكرة، ثم ضاعت هذه الذاكرة مع ضياع مسارات كثيرة لأقدار آلاف الشباب والمثففين في خضم مايرسم لبلادنا!

يجب أن يكتب الجميع عن تجربتهم في ((جمهورية الفاكهاني)) تجربة لها علاقة بالحياة والموت والكتابة والعشق .. تجربة يمكن من خلالها فهم كل مأساة العرب عندما يضيعون خلف الوهم والسراب ..

عشت في الفاكهاني صحافيا متدرجا في المهنة والحياة معا، وكنت ((أعد الثواني، فتمط أرجلها الدقائق ..تستحيل إلى دهور)) ، كما قال الشاعر خليل حاوي قبل أن ينتحر، لكن هذا العد الذي كنت أقوم فيه كان مجديا .. لم يدفعني للانتحار كما حصل مع جورج ، وإنما دفعني لأكون واقعيا فأتعلم .. وفي مهنة الصحافة هناك درس لابد أن يتعلمه الصحفي هو أن يعرف كيف يستفيد من الوقت فلايضيعه، وكيف يستفيد من الفرص دون أن يكون انتهازيا : يجب أن تكون أنيقا دون أن تشتري الكثير، ويجب أن تعرف أكثر مما تتكلم، وأن تقرأ أكثر مما تكتب، وأن لاتفكر طويلا في الحياة لأن أصدقاءك من حولك يموتون أو يستشهدون!هذا ما تعلمته من جمهورية الفاكهاني.

استفدت من كل مساحة الوقت التي مرت. وكان لابد أن أتذكر الشهيد غسان كنفاني والحازمية، فإذا بالصدف تجمعني بالمخرج الصحفي محمود الداورجي الذي اشتغل مع غسان في صحيفة الهدف، فحكى لي الكثير عنه ودفعني لزيارة المكتب الذي كتب فيه غسان كنفاني مقالاته فحفظت صورته وهو يكتب ودرست معاني الكثير من قصصه.

تعرفت في بيروت على أسماء مهمة من سياسيين وكتاب وصحفيين تعلمت منهم وتعرفت على أجوائهم . تعرفت على ناجي العلي وتعلمت منه الصمت عندما لايكون هناك ضرورة للكلام . كان يجلس صامتا كي لايزعجنا في القسم الثقافي، تعرفت على الدكتور سمير غوشة وخالد عبد المجيد ومحمد عادل وسلطان سامي وأبو العباس ..

وفي الصحافة اللبنانية تابعتها وهي تنشر آخر المستجدات عن الوضع العربي وآفاق الحرب الأهلية اللبنانية، وكنت أقلب كل صباح أكثر من عشر صحف، فأقرأ ما يجذبني : أقرأ لمحمد حسنين هيكل عندما تعيد صحيفة السفير نشرمقالاته، وأقرأ لطلال سلمان مع همساته، وأقرأ لغسان تويني وجبران تويني وميشال ابو جودة في النهار ، وكنت أقرأ مجلة الهدف والحرية ونضال الشعب، ولم أكن أتردد في قراءة الصياد والشبكة حتى تلك المواد التي تعاد من جعبة سعيد فريحة .. أما ملكة الجمال جورجينا رزق، فجعلتني أرى أن الجمال موجود في دلال المغربي أيضا التي ماتت من أجل جمهورية فلسطين.. وعندما شاهدت جورجينا كانت أرملة تزور قبر زوجها الشهيد حسن سلامة شعرت بالحزن، فكيف يموت زوج أجمل فتاة في العالم ويتركها لزيارة المقابر؟!

في بيروت نشرت قصصي الأولى. ومقالاتي البسيطة الواضحة: كسرت حدة الخوف من خراب بيروت (الحربجية)، وسريعا شعرت أنني أصبح أكثر نضجا .. تلك الأيام أعادتني إلى برج حمود وحي النبعة .. كان ذلك عند جسر الكولا، كنت أنتظر صديقيّ زياد السخنيني وعز الدين عز الدين عندما جاء طفل صغير وسألني بلهجة شامية:

ــ عمو أريد الذهاب إلى النبعة ..

((يا إلهي .. من أين جاء ؟!))

صرت أبحث حولي عن البوسطة، لم يكن قد بقي (بوسطات) في بيروت . كانت آخر بوسطة هي تلك التي شهدت مجزرة عين الرمانة في نيسان عام 1975 وهي التي أشعلت الحرب الأهلية .. نظرت في وجه الطفل، فوجدت في وجهه ملامح من حياتي ، لكني عجزت عن أن أدله على بوسطة برج حمود!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى