شعورك عندما يقيلك الرئيس!

أخفى صديقي الوزير مشاعره تماما عندما تم تبليغه بالخبر، فقد جاءه اتصال هاتفي يقول : هناك قرار بتعيين بديلا عنك.. ومع أن الطرف الآخر المتصل توقع استيضاحات حول طبيعة الإقالة، فإن صديقي تلقى الخبر بهدوء، وربما براحة نفس غير معتادة !
يُقرأ خبر الإعفاء من المنصب في مجتمعنا، الذي اعتاد الانقلابات والمؤامرات والغدر والغرور في الأوساط السياسية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، على أنه إطاحة، ويترتب على الإطاحة كسر الخاطر، والقهر، وربما الجلطة كما حصل مع أحد الوزراء عندما أخبره صديقه، وهو وزير سابق ملوّع، أنهم “قحّطوا لك ياسيادة الوزير”، فإذا بنوبة عرق تجتاحه مع ضغط واضح على صدره وإنهاك في يده اليسرى!
ولله الحمد، لم نكلف بمثل هذه المناصب، ورفضنا أقل منها، لأنها لاتليق بسمعة أي واحد منا، لرخص الموقع وجهل المتنافسين عليه، وتضاؤل الأمل بالنجاح فيه، والحاجة إلى ظهر “ماكن” يحمي القرارات إذا اتخذت!
لكن من الضروري، الوقوف عند المشاعر التي تنتاب ذاك الذي يُقالُ من منصبه، هل هي مشاعر عابرة، أم موضوعية، أم قهرية. وكيف سيتصرف صاحبها فيما لو سُئل عن طبيعة القرار الذي استهدفه ؟
اتصلت بصديقي، ودون تردد فتح سماعة الهاتف، فهو لم يعتد أن أتصل به منذ تولى مسؤولياته، وكان يعرف أني أقطعُ صلاتي اليومية مع أصدقائي عندما يتولون مناصب هامة واُبقي على صداقتي لهم ريثما ينتهون من المهمة ..
رميت التحية عليه ، وسألته :
ــ خير ؟ ماذا سمعت عنك ؟! فأجاب ، وكأنه فهم قصدي:
ــ لقد حل محلي وزير جيد!
ــ يعني تمت إقالتك ؟!
ولم أنتظر جوابه، لأني كنت أشعر أنه ينتظر هو مني كلاما ما ، فتابعت :
ــ حلو .. الآن ينبغي أن أزورك ونعدُّ لسهرة جيدة، فقد صار ثمة وقت لديك..
وتقبل صديقي المداعبة، وربما أسعدته .. لم أسأله عن التفاصيل فيما بعد ، لكني وعندما جلست مع عدد ممن تمت إقالتهم بدأت أكوّن تصورا ما، فقد جمعت فكرة ساخنة ومؤلمة عن الموضوع ، وأول ملامحها أن شعورا بالقهر ينتاب ذلك الذي يصدر قرار بإقالته. نعم فهذه أولى ملامح ردود الفعل، أما رد الفعل الثاني، فهو محاولة إيجاد مبرر للإقالة، وهذا المبرر هو غير ما يظنه الناس، فالخلاف كان قائما منذ زمن طويل ، والرغبة كانت لديه بالاستقالة، وها قد ارتاح !!
أما الملمح الثاني، فهو يشبه نوعا من الاكتئاب يرافقه وساوس كثيرة وهواجس ورغبة تدميرية لايعرف كيف يتم تصريفها، وقد تسبب له هذه الرغبة حالة نكوص وسوداوية تستمر طويلا ..
وثالث تلك الملامح، وهو هام وينتشر في أوساط المسؤولين، هو شعور المسؤول أنه أنجز ما عليه، ونجا بما فعل، فقد يكون ملأ جيوبه بشكل مقصود ظنا منه أن هذه اللحظة قادمة ولاريب فيها، وبالتالي عليه أن “يلحّق حاله” بكمشة من هنا وكمشة من هناك لأن المهم في هذه الحالة هو أن الفرصة مرت وقد لا تتكرر!
وهناك نموذج مخيف، وهو ذاك الذي يتشرنق، وينتظر فرصة أخرى، وفي الفرصة الأخرى يفعل ماعجز عنه في المرة الأولى ..
أما صديقي، فقد كتب على أوراقه عبارة هامة نقلها لي ابنه، وهي من صلب الموروث الشعبي السوري، وتقول العبارة : لو دامت لغيرك ماوصلت إليك!!
وتلك أفضل الطرق لتلقي قرار الإقالة من الرئيس !