مراكز الأبحاث الإسرائيليّة: قواعد الاشتباك مع حزب الله تغيّرت

تُعتبر مراكز الأبحاث الإسرائيليّة رافدًا مهمًا جدًا في سبر غور المُستجدّات والمُتغيرات في الوطن العربيّ، إذْ أنّها تضُم باحثين شغلوا في الماضي غير البعيد مناصب رفيعة جدًا في المنظومة الأمنيّة وفي جيش الاحتلال.
علاوةً على ذلك، فإنّ الأبحاث والدراسات التي يقومون بإعدادها ونشرها تُشكّل مُساعدًا ومعاونًا خاصًّا لمُساعدة أركان إسرائيل في عملية صناعة القرار، ناهيك عن أنّها تعمل على مدار الساعة في إذكاء الحرب النفسيّة ضدّ الأمّة العربيّة من محيطها إلى خليجها، في ظلّ شبه انعدام ردودٍ عربيّةٍ مناسبةٍ لمزاعمهم.

وفي الدولة العبريّة، هناك شبه إجماع أنّ مركز أبحاث الأمن القوميّ (INSS)، هو أهّم مركز دراسات، وأكثرها تأثيرًا على المُستويين السياسيّ والأمنيّ في تل أبيب، فالباحثين في هذا المركز التابع لجامعة تل أبيب، هم كوكبة من القادة السابقين في أذرع الأمن المُختلفة، بالإضافة إلى أنّ رئيس المركز، الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، شغل سابقًا رئيس شعبة الاستخبارات العسكريّة في الجيش الإسرائيليّ (أمان)، التي تُعتبر مع الموساد والشاباك من أهّم الأجهزة الاستخباراتيّة في إسرائيل.

يدلين، الذي كان مرشحًا لتبوأ منصب وزير الأمن في الانتخابات السابقة في حال فوز حزب المعسكر الصهيونيّ في الانتخابات، يُجري أيضًا لقاءات مع مسؤولين عرب، وفي مُقدّمتهم الأمير تركي الفيصل، قائد الاستخبارات السابق في السعوديّة.
يدلين تناول في دراسةٍ قام بإعدادها العديد من محطات المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، خلال احتلال الحزام الأمنيّ وحتى حرب لبنان الثانية عام 2006، والتي ساهمت في نجاح الحزب بفرض قواعد اشتباك جديدة أدّت إلى تقييد الجيش الإسرائيليّ، ومنحت حزب الله هامشًا أوسع في المواجهة، ما أدى إلى كنس الاحتلال الإسرائيليّ بصورةٍ مُذلّةٍ في أيّار (مايو) من العام 2000، وحتى اندلاع حرب لبنان الثانية في تموز (يوليو) من العام 2006، والتي استمرّت 34 يومًا بالتمام والكمال.

يدلين رأى أنّ معادلة جديدة برزت على الساحة وأصبح من خلالها استهداف حزب الله للجنود الإسرائيليين شرعيًا، كما أتاحت للحزب فرصةً ذهبيّةً لإطلاق الصواريخ على الجليل عندما يستهدف الجيش البيئة المدنيّة للمقاومة، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الاتفاق غير المكتوب بين إسرائيل والحزب، ألزم الأولى على استهداف المقاومة خارج الأراضي اللبنانيّة، أيْ في سوريّة.

ووفقًا للجنرال الإسرائيليّ هكذا استطاع الحزب، رويدًا رويدًا، تحقيق الردع، بحيث ركزّ صراعه في الحزام الأمنيّ في الأماكن التي لعمله فيها شرعية، فإنّ الحزب ركّز ردعه أيضًا من خلال العمليات الخارجية، كاستهداف السفارة الإسرائيليّة في بيونس ايرس بعد اغتيال أمينه العام السيد عباس الموسوي، واستهداف المركز اليهودي في العاصمة الأرجنتينية في التسعينيات. وجزم يدلين: صمَّم حزب الله نفسه باعتباره تنظيمًا قادرًا على أنْ القول لإسرائيل إنّها تخضع لقيودٍ خطيرةٍ جدًا في المواجهة معه.

ولفت إلى أنّه بعد تحرير عام 2000، كانت لدى حزب الله ثلاث حجج: مزارع شبعا، والأسرى المعتقلون، وانتهاك الأجواء اللبنانيّة. كما أنّ أسس وحدةً خاصّةً لدعم المقاومة الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية عام 2000. وشدّدّ على أنّ عملية مستوطنة متسوفا، التي قُتل خلالها ستة إسرائيليين قرب الحدود اللبنانية في آذار (مارس) 2002، كانت ترجمةً لهذا الدعم، وإدراكًا من الحزب بأنّ إسرائيل غير قادرة على فتح جبهةٍ ثانيةٍ في وقتٍ تخوض مواجهة في الداخل الفلسطيني، الأمر الذي عزَّز مفهوم حزب الله بأنّ إسرائيل كانت مردوعةً، ومن المُهّم الإشارة إلى أنّه بالنسبة لتل أبيب فإنّ السيناريو الأوسوأ هو اندلاع الحرب على الجبهتين الشماليّة والجنوبيّة (حماس) في آنٍ واحدٍ.

وأوضح يادلين أنه كانت هناك رهانات إسرائيلّية بأنّ التطورات الإقليمية والدولية ستؤدي إلى إضعاف حزب الله وكبحه، وذكّر بمقولة وزير الأمن السابق موشيه يعلون بأنّ صواريخ الحزب ستصدأ. لكن في الواقع، أضاف الجنرال الإسرائيليّ،، العكس هو ما حصل، وبدلاً من أنْ يضعف الحزب تعزّزت قوّته أكثر وحصل من دون قيد على الصواريخ البعيدة المدى من الرئيس السوريّ.

واختتم يدلين قائلاً أنّه بالنسبة لإسرائيل فلبنان جرح عميق، وبشكلٍ خاصٍّ بعدما مرّت سنوات قاسية نتيجة حرب عصابات نوعية شنّها حزب الله (خلال احتلال الحزام الأمني). كما نوّه إلى أنّ قادة جيش الاحتلال توصّلت إلى قناعةٍ بأنّ اجتياح بلاد الأرز بريًا سيكون باهظ الثمن من دون إنجازات واضحة، وبالتالي ما من داع للعودة إلى هذا البلد.

ولخص يدلين التقدير الذي كانت تل أبيب تتبنّاه، بالقول: كان هناك شعور بأنّ عامل الزمن يعمل لصالحنا، فنحن نمتلك قوة أكبر بكثير وقدرة أكبر على التحمل والتسلح أكثر، وأنّ تنظيمًا صغيرًا مثل حزب الله سيصل في النهاية إلى نقطة انكسار. لكن الوضع لم يكن كذلك، على حدّ تعبيره.

واليوم بعد تحقيق الحزب الانتصارات في الحرب بسوريّة تغيرّت النظرة الإسرائيليّة، وبات قادة تل أبيب يؤكّدون على أنّ الحزب تحولّ إلى جيش شبه نظاميّ، يمتلك أسلحة وصواريخ قادرة على استهداف وإصابة كلّ بقعة في العمق، وتكفي الإشارة إلى أقوال وزير الأمن الإسرائيليّ، أفيغدور ليبرمان، الذي أكّد على أنّ ترسانة حزب الله العسكريّة تفوق ترسانات العديد من الدول في حلف الـ”ناتو”، على حدّ تعبيره.

صحيفة رأي اليوم الألكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى