لماذا تبنّى نتنياهو وليبرمان نظرية هيركابي

هل توصّل صنّاع القرار في تل أبيب إلى قناعةٍ لا لبس فيها ولا غبار عليها، بأنّ مقولة رئيس الوزراء الأسبق، إسحاق شامير، بأنّ العرب هم نفس العرب، والبحر هو نفس العرب، قد تغيّرت إلى غير رجعةٍ؟ هل رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، اقتنع بأنّ اللجوء إلى الحرب لن تمنح السلم والسلام، الأمن والأمان لدولته التي قاربت على إنهاء عامها السبعين لإقامتها على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ؟ والسؤال المفصليّ: هل إستراتيجية نتنياهو الجديدة القائمة على التحالف مع الدول التي تُنعت إسرائيليًا بالدول السُنيّة المُعتدلة، هي البديل عن الحرب، علمًا أنّ توثيق العلاقة مع هذه الدول، هكذا يأمل نتنياهو، ستؤدّي للإجهاز على ما تبقّى من فلسطين.

في هذا السياق من الأهمية بمكان التذكير والتأكيد أنّه على الرغم من رحيله قبل سنواتٍ طويلةٍ ما زال البروفيسور يهوشافط هيركابي، من أهّم واضعي الإستراتيجيّة الإسرائيليّة، والرجل، الذي كان جنرالاً في جيش الاحتلال تناول في دراسته، التي ما زالت تتصدّر الأجندة في الدولة العبريّة، كيفية وآلية التعامل مع الدول العربيّة، لافتًا إلى أنّ السيطرة على العالم العربيّ، لا تتّم بالحروب، على حدّ تعبيره.

واليوم، بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، وما سًميّ عربيًا بالنكسة، ينبري وزير الأمن الإسرائيليّ، المُتشدد والمُتطرّف، أفيغدور ليبرمان، ليقول وبالفم الملآن، إنّ الدولة العبريّة لم تُحقق أيّ انتصارٍ منذ تلك الحرب، وأنّ الحروب التي خاضتها منذ حرب الأيّام الستّة لم تُحسم بالمرّة، لا في لبنان ولا في فلسطين، وتحديدًا في قطاع غزّة، كما أكّد أخيرًا.

وتابع وزير الأمن الإسرائيليّ في كلمة له خلال مؤتمر هرتسيليا في دورته الـ 17 الذي يُقام سنويًّا إنّ كلّ جهة أو زعيم عربي ربط مصيره بإسرائيل خسر، ولم ننتصر بأي حرب منذ 50 عامًا، من جدّ الملك عبد الله إلى أنور السادات إلى بشير الجميّل وجيش لبنان الجنوبيّ، داعيًا إلى تسويةٍ إقليميّةٍ وعلاقاتٍ دبلوماسيّةٍ واقتصاديةٍ كاملةٍ مع السعودية ودول الخليج العربيّ.

وأقرّ ليبرمان قائلاً: إنّ إحدى المشاكل الأساسية لإسرائيل هي أنها منذ عام 1967 لم تنتصر في أيّة معركة. وأضاف مؤكّدًا أنّه لا نيّة لإسرائيل للمبادرة بعمليةٍ عسكريّةٍ لا في الصيف ولا في الخريف، ولا في الشمال، ضدّ حزب الله، ولا في الجنوب، ضدّ حماس وفصائل المقاومة الفلسطينيّة مضيفاً: هدفنا هو منع الحرب، على حدّ قوله.

واستطرد قائلاً: عندما خرجنا من لبنان، هددّنا بأنّ أيّ طلقة ستخرج من هناك سندمّر لبنان، ولكن لم يحصل شيء، مُشيرًا في الوقت عينه إلى أنّه كان هناك الكثير من الوعود التي لم تتحقق وبعضها أنا توعّدت بها أيضًا، لذلك أقول وأوضّح أنّه في أية مواجهةٍ مقبلةٍ يجب أنْ ننتصر. واعتبر وزير الأمن الإسرائيليّ أنّ غياب الحسم والنصر في الحرب مع لبنان أخّر تطوّر العلاقات مع الدول العربيّة لعقد على الأقل، آملاً أنْ يحصل خرق استثنائي في هذا المجال في السنوات المقبلة، بحسب أقواله.

وعودٌ على بدء، البروفيسور هيركابي أكّد أيضًا في أحد مقالاته على أنّه: لقد قاتلنا العرب في عدّة حروب وهزمناهم عسكريًّا، لكن في اثر كل حرب يتولّد مشهد سياسيّ أكثر تعقيدًا وتزداد مشكلتنا مع العرب تعقيدًا.

ويُضيف: ولذلك فإنّ الحرب ضدّ العرب لن تمنح الأمن لإسرائيل، بل كلّ حرب تلد أخرى، وأنّ أفضل طريقة هي التركيز على التسوية السياسيّة، وفي هذه من الممكن أنْ نحقق الانتصار النهائيّ على العرب، ومن الممكن أنْ نأخذ من العرب على طاولة المفاوضات أكثر ممّا نأخذ منهم في الحرب.

وبرأي البروفيسور هركابي: طبيعة العقل العربيّ والشخصية العربيّة تؤكّد لنا ذلك. فالعربيّ عنيد في الحروب والمواجهات، ولكنّه مَلُول في الحوار والمفاوضة ومن الممكن، ولأنَّه قصير النَفَس وفاقد للرؤية السياسيّة ومُهشم من الداخل نتيجة الهزائم العسكرية المتكررة، استخلاص مكاسب سياسيّة عديدة منه على طاولة المفاوضات، على حدّ تعبيره.

الصحافيّ الإسرائيليّ التقدّميّ غدعون ليفي كتب في صحيفة (هآرتس): العام الحالي هو اليوبيل الفضيّ لأكبر كارثة حلّت باليهود منذ الهولوكوست. وهو أيضًا ذكرى مرور نصف قرن على أكبر كارثة حلّت على الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948. إنّها لحظة الاحتفال بالعيد الخمسين للتحرير المزعوم، لكنها في حقيقة الأمر ليست إلّا كارثة.

وخلُص إلى القول: هي كارثة لليهود بنفس القدر الذي تمثله للفلسطينيين. إنّ عام 2017 يجب أنْ يمثل عام البحث عن الذات، والحزن بالنسبة لإسرائيل. لكن الحكومة الإسرائيلية تخطط لصرف 2.74 مليون دولار للاحتفال بمرور 50 عامًا على قمع شعب آخر، 50 عامًا على الفساد والدمار الداخليّ، على حدّ تعبيره.

ربمّا هذا التغيير الدراماتيكيّ في الإستراتيجيّة الإسرائيليّة دفع حكومة اليمين المُتطرّف في تل أبيب، مدعومةً من الإدارة الأمريكيّة بقيادة دونالد ترامب، إلى السعي لإقامة حلف شرق أوسطيّ بمُشاركة دول الاعتدال العربيّة، وفي مقدّمتها السعوديّة.

صحيفة رأي اليوم الألكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى