مفاوضات عين عيسى متعثّرة: دمشق ترفض مقترح «الشريط الحدودي»

 

تتواصل الاشتباكات المتقطّعة في الأطراف الشرقية لمدينة عين عيسى في ريف الرقّة الشمالي، في ظلّ استمرار هجمات الفصائل الموالية لتركيا على مواقع «قسد» في المدينة بهدف تطويق الأخيرة، بالتزامن مع إرسال روسيا تعزيزات عسكرية إلى المنطقة. وتتمسّك «قسد» بمواقعها العسكرية في ناحية عين عيسى وأريافها، لإدراكها أن سقوط المدينة من يدها يعني خسارتها لعقدة ربط جغرافيّ مهمة، وفقدان طريق حيوي يربط مناطق سيطرتها في ريف حلب والرقة مع الحسكة ودير الزور. لذلك، تصرّ «قسد» على الاحتفاظ بوجودها العسكري والإداري في عين عيسى، لإدامة الإمساك بالموقع الجغرافي المهمّ للمدينة، وخشية أن يتحوّل السقوط أو التسليم إلى سيناريو سينسحب على معظم المدن والبلدات المحاذية لطريق «M4».

ويَظهر التمسّك الكردي بالمدينة وناحيتها من خلال تصريحات قيادات «قسد» المؤكدة أن عين عيسى ستبقى تحت سيطرتهم الإدارية والعسكرية، وأن ما يحصل فيها ليس سوى «تكتيك عسكري يهدف إلى حمايتها من الاعتداءات التركية». وتريد «قسد» تكرار تجربة «الشريط الحدودي» في المدينة، من خلال نشر نقاط سورية – روسية مشتركة في محيطها، لكن مع الإبقاء على النفوذ الكردي العسكري والإداري من دون أيّ تغيير. لكن يبدو أن هذا التوجّه لا يلقى قبولاً روسياً ولا حكومياً سورياً، إذ إن الطرفين، وفق مصادر موثوقة تحدّثت لـ»الأخبار»، «رفضا هذا السيناريو، وطالبا قسد بتسليم المدينة عسكرياً وسياسياً، وإخراج كامل المقرّات والهيئات التابعة للإدارة الذاتية وقسد منها». لذلك، فإن الروس طلبوا من تركيا وقف هجومها على المدينة، بهدف إفساح المجال للتفاوض، وإيجاد آلية تُجنّب المدينة وأهلها معارك جديدة، وتفرض واقعاً جديداً ينزع أسباب التوتر فيها. كما دفع الروس، منذ مطلع الأسبوع، بتعزيزات عسكرية إلى قاعدتهم العسكرية جنوبي عين عيسى، بهدف توسيع انتشارهم في المدينة وأريافها، بعد تفاهمات مع الجانب التركي. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، عبر بيان لنائب مركز حميميم للمصالحة، اللواء البحري فياتشيسلاف سيتنيك، أنه «بهدف تعزيز الجهود لإرساء الاستقرار في منطقة عين عيسى، وصلت يوم الأحد إلى هناك وحدات إضافية للشرطة العسكرية الروسية»، مشيرة إلى «تسجيل أوضاع غير مستقرة في عين عيسى»، ومضيفة أنه قد «تمّ سابقاً التوصل إلى اتفاقات حول إقامة نقاط روسية – سورية مشتركة».

وعلى رغم التحرّكات الروسية التي ترافقت مع تعزيزات عسكرية للجيش السوري وصلت الأسبوع الفائت، إلا أنه لا مؤشّرات إلى قرب تسليم «قسد» المدينة إلى الجيش السوري والروس. ووفق المصادر المطّلعة التي تحدّثت لـ»الأخبار»، فإن «المفاوضات لا تزال مستمرّة، مع إصرار الأكراد على الاحتفاظ بالصلاحيات الإدارية والوجود العسكري للأسايش لضمان الأمن في المدينة». وأضافت المصادر أنه «لا يوجد أيّ اتفاق نهائي حول مصير المدينة، مع توقّعات بتصاعد وتيرة المعارك تدريجياً خلال الأيام المقبلة».

بدورها، كشفت مواقع إعلامية كردية معلومات تتحدّث عن «دخول أميركي على خطّ عين عيسى، لإقناع الأكراد بعدم تسليم المدينة إلى الجيش السوري والروس، والانتظار إلى حين تسلّم إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مهامها». وبحسب تلك المواقع، فإن «قادة عسكريين أميركيين أكّدوا أن الرئيس بايدن قد يعيد القوات الأميركية إلى عين عيسى ومنبج وعين العرب، ويوسّع الحضور العسكري الأميركي في المنطقة لمنع موسكو من التمدّد شرقي الفرات». كما تحدّثت عن أن «القادة الأكراد سيسعون لإطالة أمد المفاوضات إلى حين تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة، واتّضاح معالم سياستها الخاصة في الملف السوري». وفي الاتجاه نفسه، أكد المتحدّث الرسمي باسم «الإدارة الذاتية»، في تصريحات إعلامية، أن «الإدارة الذاتية لن تُسلّم بلدة عين عيسى أو أيّ منطقة أخرى لأيّ طرف كان»، متّهماً «روسيا بعدم تحمّل مسؤولياتها أمام الانتهاكات التركية ضدّ المدينة، باعتبارها الضامن لوقف إطلاق النار». في المقابل، شدّد مصدر مقرّب من القاعدة العسكرية الروسية في عين عيسى، في حديث إلى «الأخبار»، على أن «روسيا لن تقبل بخروج أيّ متر من طريق M4 بين منبج وتل تمر عن نفوذها»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «موسكو تبذل جهوداً كبيرة لإيجاد تسوية تُجنّب المنطقة حرباً جديدة».

على رغم ما تقدّم، يصرّ عضو «هيئة المصالحة السورية»، عمر رحمون، في تصريح إلى «الأخبار»، على أن «قسد قد أبلغت الجانب الروسي رسمياً تسليم الصلاحيات الإدارية والعسكرية في المدينة إلى الحكومة السورية، والانسحاب الكامل منها»، مؤكداً أن «الاتفاق دخل حيّز التنفيذ، وبدأت قسد بإخراج كامل مقرّاتها والوثائق الخاصة بها وسحبها إلى منبج، تمهيداً لنقلها لاحقاً إلى الحسكة». ويتوقّع رحمون أن «ينتشر الجيش السوري في كامل المدينة مطلع الأسبوع المقبل»، معتبراً أن «قسد سلّمت المدينة لإدراكها جدّية النيات التركية باحتلالها». ويرى أن «ما سيحصل في عين عيسى قد يمهّد لعودة الدولة السورية إلى منبج وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة قسد شرقي الفرات».

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى