” ليس للكردي إلا الريح، تسكنه ويسكنها، وتدمنه ويدمنها، لينجو من صفات الأرض والأشياء”
أردنا من هذه الكلمات المأخوذة من قصيدة للشاعر محمود درويش الإشارة إلى كتاب “مالفا” وهو كتاب يتعلق بحياة الفنان الكردي والعالمي في آن عمر حمدي، ومعاناته قبل أن يصل إلى ذروة المجد، وهذا ربما يدفعنا إلى العودة إلى مكان أخر قال فيه درويش:”فإن الكرد يقتربون من نار الحقيقة، ثم يحترقون مثل فراشة الشعراء”
الكتاب المذكور هو من إعداد الشاعرة هناء داوود والباحث عرفان حمدي وقد بذلا فيه جهوداً يشار إليها بكل احترام وتقدير، ليكون “عرساً كردياً يصدح في قلوبه المتشظية في اللامكان” وتضيف الشاعرة ” داوود” قائلة: ” حدثني حينها عن اللون، عن اللوحة كما لو أنه كان يتحدث عن علامة، عن بشارة، عن وسيلة للاحتجاج على الواقع وعن القمع”
ولد عمر حمدي في قرية صغيرة تدعى”تل نايف” في الشمال من مدينة “الحسكة” السورية وكان المنزل مقسم إلى جزأين، قسم للعائلة وآخر للغنم، ثم انتقلت العائلة بعدها إلى “تل حجر” بعد أن باع والده المواشي وبنى هناك منزلاً من الطين ويقول عن تلك المرحلة: ” كنت أعمل في الطرقات، أبيع كعكاً أو بوظة أو في مطعم ، وكنت أعود في المساء ومعي ليرتان أو ثلاث، لتشتري بها والدتي لبناً وخبزاً وشاياً لإفطارنا جميعاً، وكان والدي يعمل في حفر المجاري في شوارع المدينة، ولم يكن راتبه الشهري يكفي عائلة مؤلفة من تسعة أشخاص”
ويضيف في مكان آخر: كنت أكره المدرسة والكتب المدرسية المهترئة، مثل دفاتري، إفطاري في المدرسة غالباً ضرباً من المعلم بعصاً من الخشب الطري على يدي أو قدمي”
تلك الأقوال المختصرة تشكل سيرة بسيطة من حياة ذلك الفنان العالمي الذي صنع نفسه بنفسه رغم الفقر والجوع والمعاناة، وغدا بعد ذلك أسطورة فنية كبيرة تعرض لوحاته في أفخم المعارض والصالات العالمية وتباع بأغلى الأسعار، وذاك هو المثال الذي يقتدى والذي يعلم كيف للإنسان أن يتحدى ظروفه ويجتاز المفاوز والعثرات القاتلة ليصل إلى ما وصل إليه من مجد وشهرة عمت الأرجاء كلها، وهو ذلك الرجل الذي أحرق لوحاته ذات يوم في وسط العاصمة دمشق، لأن وزارة الثقافة لم تشتر منه سوى لوحتين.بسعر رمزي، أما عن تسميته “مالفا” فهذا يعود إلى مجموعة من اللوحات التي رسمها تحت هذا العنوان، وربما يعود أيضاً إلى اسم الوردة التي ذكرت في رواية ” أرض الأم” لمؤلفها أنطون تشيخوف والتي رماها في البئر خوفاً من والده.
عمر حمدي “مالفا” كما يؤكد الكتاب ظاهرة تغلغلت في نسيج الثقافة الإنسانية، وهو القائل: اللوحة لا تزال عندي مساحة مربعة، مكان فراش نوم، فراغ أبيض مليء بالزخم الحي وبالخوف والقلق” وما قلناه في هذه المادة هو غيض من فيض، ولا يكفي أو يغطي سيرة ذلك العلامة الفارقة في الفن الكردي والعالمي، ولحديثنا بقية على كل حال.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



